سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ٢٢٥ - الباب السادس و العشرون في بيان معرفة الخصال التي هي جمال العقل
مخلوق، و أيضا فإن لم تعف: نلت حقك بلا زيادة عليه، و إن عفوت كانت لك حسنة أسديتها لأخيك، و الله تعالى يقول: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [الأنعام: ١٦٠].
و شفع الأحنف بن قيس، في محبوس إلى السلطان، فقال له: إن كان مجرما فالعفو يسعه، و إن كان بريئا فالعدل يسعه.
و قيل لبعض الكتّاب بين يدي أمير المؤمنين: بلغ أمير المؤمنين عنك أمر، فقال لا أبالي، فقيل له: و لم لا تبالي؟ قال: إن صدق الناقل وسعني عفوه، و إن كذب النّاقل وسعني عدله.
و لما دخل عيينة بن حصن[١]، على عمر بن الخطاب قال: يا ابن الخطاب: «و الله ما تعطينا الجزل،[٢] و ما تحكم بيننا بالعدل" فغضب عمر، و هم بأن يوقع به، فقال ابن أخيه، يا أمير المؤمنين: إن الله تعالى يقول:
خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩]، و إن هذا من الجاهلين، فو الله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، و كان عمر وقّافا عند كتاب الله تعالى.
و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»[٣]، و قال: «ارحم ترحم»[٤].
و كان يقال: أولى الناس بالسلطان، أحقهم بالرأفة و الرحمة.
و في الإنجيل: أفلح أهل الرحمة لأنهم سيرحمون.
و قال سليمان بن داود ٨: لقد أبغض الله المتسرعين إلى إراقة الدماء، فإليهم انتهت القسوة و الغلظة، و التباعد من الرحمة.
و لما تمكن داود من قتل جالوت[٥]، أبقى عليه و هو يومئذ عدوّه و طالبه،
[١] - عيينة بن حصن: أسلم و ارتد و حارب مع المرتدين فأسر و قدم به إلى أبي بكر الصديق، فتجاوز عنه و حقن دمه، بعد أن أعلن إسلامه.( الإصابة ٤/ ٧٦٧).
[٢] - الجزل: العطاء الكثير و الواسع.
[٣] - جزء من حديث صحيح( الراحمون يرحمهم الله تعالى ارحموا ...) رواه الإمام أحمد و أبو داود و الحاكم و الترمذي عن ابن عمر( الجامع الصغير للسيوطي رقم ٤٤٨٩).
[٤] - رواه الإمام أحمد و البخاري في الأدب، و البيهقي في شعب الإيمان بلفظ« ارحموا ترحموا ...» عن ابن عمر، و الحديث صحيح( الجامع الصغير رقم ٩٤٢).
[٥] - جالوت: ملك الكنعانيين العمالقة، و امتد ملكه ما بين مصر و فلسطين، و حاربه طالوت ملك بني إسرائيل، و قتله داود ٧ عند ما كان جنديا في جيش طالوت ثم أصبح داود ملكا على بني إسرائيل.