سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٣٤ - و فى أخبار القضاة
الملك إذا ملك، زهّده الله فى ماله، و رغّبه فيما فى يد غيره، و أشرب قلبه الإشفاق[١]، فهو يحسد على القليل و يسخط الكثير، جذل الظاهر[٢] حزين الباطن، فاذا وجبت نفسه[٣]، و نضب عمره[٤]، و محي ظلّه، حاسبه الله فأشد حسابه، و أقل عفوه).
و ذكر السلطان لأعرابى فقال: و الله لئن عزّوا فى الدنيا بالجور، لقد ذلّوا فى الآخرة بالعدل، و بقليل فان رضوا عن كثير باق، و إنّما يكون الندم حين لا ينفع الندم.
و قال ابو بكر بن أبى مريم[٥] (حج قوم، فمات صاحب لهم بأرض فلاة، فلم يجدوا ماء، فأتاهم رجل، فقالوا: دلّنا على الماء، قال: احلفوا لى ثلاثا و ثلاثين يمينا أنّه لم يكن فيكم. صرّافا[٦]، و لا مكّاسا[٧]، و لا عرّيفا[٨]، و لا بريدا[٩]. و يروى: و لا عرّافا[١٠] فأنا أدلكم على الماء، فحلفوا له ثلاثا و ثلاثين يمينا، فدلّهم على الماء، ثم قالوا له: عاونّا على غسله، فقال: احلفوا لي ثلاثا و ثلاثين يمينا- كما تقدم ذكره- فحلفوا له، فأعانهم على غسله، ثم قالوا: تقدّم و صلّ عليه. قال: لا، حتى تحلفوا لى أربعا و ثلاثين يمينا- كما تقدم- فصلّى عليه. ثم التفتوا، فلم يجدوا أحدا. و كانوا يرون أنّه الخضر ٧.
[١] - الإشفاق: الخوف مع الحرص و الشفقة.
[٢] - جذل الظاهر: الجذل: الفرح و الطرب، فهو جذلان فى ظاهره. و يسخط الكثير: أي يمنعه.
[٣] - وجبت نفسه: أى مات و سقط يقال للقتيل( واجب)، و وجبت الشمس: غابت.
[٤] - نضب عمره: انتهى، يقال: نضب الماء إذا غار فى الأرض.
[٥] - أبو بكر بن أبى مريم: الغسانى الشامى، من زواة الحديث، قال ابن حجر عنه( ضعيف)، مات سنة ٥٦ ه.( تقريب التهذيب رقم ٨٠٠٣).
[٦] - الصراف: الذى يصرف الدراهم و الدنانير و( المحاسب).
[٧] - المكّاس: هو من يأخذ الضرائب أو المكس، و هى الدراهم التى تؤخذ من بائعى السلع عند بيعها فى الأسواق أو عند إدخالها المدن.
[٨] - العريف: هو القيم بأمر القبيلة أو المحلة، يلى أمورهم و يتعرف منه الأمير على أحوالهم، فهو دون الرئيس.
[٩] - البريد: الذى يرسله الأمير فى مهمة ما.
[١٠] - العرّاف المنجّم و المخبر عن الماضى و المستقبل.