سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١٢٤ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
و روى زيد بن أسلم[١] عن أبيه، قال: قلت لجعفر بن سليمان بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي- والي المدينة-: احذر أن يأتي رجل غدا ليس له في الإسلام نسبة و لا أبّ و لا جدّ، فيكون أولى برسول الله صلى اللّه عليه و سلم منك، كما كانت امرأة فرعون أولى بنوح و لوط- ٨- من زوجيهما، و كما كانت زوجة نوح و لوط أولى بفرعون من زوجته.
«من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، و من أسرع به عمله لم يبطئ به نسبه»[٢].
و قال بشر بن السّريّ[٣]: بينما الحجاج[٤] جالس في الحجر[٥]، إذ دخل رجل من أهل اليمن، فجعل يطوف، فوكل به بعض من معه، فقال: إذا خرج من طوافه فأتني به، فلما فرغ من طوافه أتاه به، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل اليمن، قال: أ فلك علم بمحمد بن يوسف[٦]؟ قال: نعم. قال: فأخبرني عنه. قال: لقد تركته أبيض، بضّا[٧] سمينا، طويلا، عريضا، قال: ويلك، ليس عن هذا أسألك، قال: فعمّه؟ قال: عن سيرته، و طعمته؟
قال: فأجور السّير، و أخبث الطعم[٨]، و أعدى العداة على الله و أحكامه، قال: فغضب الحجاج و قال: ويلك، أ ما علمت أنّه أخي، قال: بلى. قال:
أ فأنت أ ما علمت أنّ الله ربي؟ و الله لهو أمنع[٩] بي منك، أكثر منك لأخيك! قال: أجل، أرسله يا غلام.
[١] - زيد بن أسلم العدوي العمري: فقيه و مفسر من أهل المدينة المنورة، توفي سنة ١٣٦ ه. كان مع عمر بن عبد العزيز أيام خلافته، و استقدمه الوليد بن يزيد إلى دمشق في جماعة من فقهاء المدينة مستفتيا في أمر.( الأعلام ٣/ ٥٦- ٥٧).
[٢] - حديث رواه الإمام أحمد في مسنده( ج ٢/ ٢٥٢)، كجزء من حديث طويل، كما رواه أبو داود في السنن.
[٣] - بشر بن السريّ: أبو عمرو الأفوه، بصري سكن مكة، و كان واعظا ثقة، مات سنة ١٩٦ ه.
[٤] - الحجاج بن يوسف الثقفي: القائد الخطيب العربي و أمير العراق في عهد عبد الملك بن مروان، و الوليد بن عبد الملك، توفي سنة ٩٥ ه.( الأعلام ٢/ ١٦٨).
[٥] - الحجر: جانب الكعبة من جهة الشمال.
[٦] - محمد بن يوسف الثقفي: أخو الحجاج بن يوسف، و كان أميرا في اليمن، توفي سنة ٩١ ه.
( الأعلام ٧/ ١٤٧).
[٧] - بضّا: أي كان رقيق الجلد ناعمه في سمن.
[٨] - أي أنّ حياته و سيرته مليئة بالمعاصي، و مأكله كله خبيث غير طيب.
[٩] - أمنع: أقوى، المنعة: القوة التي تمنع من يريد أحدا بسوء.