سراج الملوك - الطرطوشي، أبوبكر - الصفحة ١١٧ - الباب الثاني في مقامات العلماء و الصالحين عند الأمراء و السلاطين
للرسول: قل له: إن الكيس بخاتمه[١]، و قال الرسول صلى اللّه عليه و سلم: «و المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون»[٢].
و قال وهب بن منبّه[٣]: إن ملكا كان يفتن الناس، و يحملهم على أكل لحم الخنزير، فأتي برجل من أفضل أهل زمانه، فأعظم الناس مكانه، و هالهم أمره، فراوده على أكل لحم الخنزير، فلم يفعل، فرقّ له صاحب شرطة الملك، فقال له: أنا آتيك بجدي تذبحه بما يحلّ لك أكله، فإذا دعا الملك بلحم خنزير أتيتك به، ففعل، ثم أتي به الملك، فدعا بلحم الخنزير، فأتى صاحب الشرطة بذلك الجدي، فأمر به الملك أن يأكله، فأبى أن يأكله، فجعل صاحب الشرطة يغمزه أن يأكله، فأبى أن يأكله، فأمر الملك صاحب الشرطة أن يقتله، فلما ذهب به قال: ما منعك أن تأكل و هو اللحم الذي ذبحته أنت، أ ظننت أني جئت بغيره؟ قال: لا، قد علمت أنّه هو، و لكنّي خفت أن يفتن الناس بي، فإن أكرهوا على أكل لحم الخنزير، قالوا: قد أكله فلان فيستنّ بي، فأكون فتنة لهم، فقتل رحمه الله.
و روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار[٤]: يا كعب:
خوّفنا، قال: أ و ليس فيكم كتاب الله و سنة رسوله؟ قال: بلى يا كعب، و لكن خوّفنا، قال: يا أمير المؤمنين: اعمل عمل رجل، لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبيا لازدريت عملهم مما ترى. فنكّس عمر و أطرق مليا ثم أفاق، فقال:
يا كعب: خوّفنا، فقال: يا أمير المؤمنين: لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق، و رجل بالمغرب، لغلي دماغه حتى يسيل من حرّها. فنكس عمر ثم أفاق، فقال: يا كعب، زدنا، فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنّ جهنّم لتزفر زفرة يوم القيامة، فلا يبقى ملك مقرّب، و لا نبيّ مرسل، إلا خرّ على ركبتيه، حتى يخرّ إبراهيم- خليل الرحمن- على ركبتيه، يقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي.
[١] - إن الكيس بخاتمه: أي أن الكيس الذي أرسلته و به الدنانير ما زال مختوما و لم يفتح، و في ذلك دلالة على عدم رغبته مغادرة المدينة المنورة إلى بغداد.
[٢] - جزء من حديث صحيح رواه البخاري و مسلم عن سفيان بن أبي زهير( الجامع الصغير- رقم ٣٣٤٢).
[٣] - وهب بن منبه: التابعي المؤرخ، سبقت ترجمته.( وردت هذه الحكاية في البداية و النهاية ٩/ ٢٩٢، و حلية الأولياء ٤/ ٥٥).
[٤] - كعب الأحبار: هو أبو إسحاق، تابعي، و كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن، و أسلم في زمن أبي بكر، و قدم المدينة في زمن عمر بن الخطاب، و يعتبر من أقدم رواة الحديث، قرّبه معاوية، توفي في حمص سنة ٣٢ ه.( الأعلام ٥/ ٢٨٨).