الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٨٦ - باب ما يبعث العبد على التوبة و ترك الإصرار
و قال عزّ و جلّ: فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً[١].
قال الصادق المصدوق صلّى اللّه عليه و سلم: «حفّت الجنّة بالمكاره»[٢].
فأخبر أن الحجاب الذي حفّت به الجنة: هو الفعل الذي هو كريه في النفس، ثم أخبر أنه من حمل نفسه على ذلك المكروه، حتى يؤدي حقوق اللّه عزّ و جلّ عليه؛ دخل الجنّة برحمة اللّه جلّ و عزّ.
و قال عبد اللّه بن مسعود: و من اطلع الحجاب واقع ما وراءه. أي: من يحمل المكاره في طاعة اللّه عزّ و جلّ واقع الجنّة، أي: دخلها.
و اللّه العليم الكريم أعلم بخلقه و بما يصلحهم، فعلم من هذا العبد من قبل أن يخلقه أنه إذا طبعه على حبّ ما وافقه و بغض ما خالفه، ثم علم ما يوافقه مما يخالفه، فهاجت لذلك شهواته، و نازعته إلى ذلك نفسه، و لا سيّما من خاض في استعمال الشهوات عمره، لن يدع ما تشتهي نفسه إلّا أن يخلق له عذابا أليما، ثم يتهدده به، و لن يتحمل ما يكره إلّا أن يخلق له نعيما مقيما، ثم يرجّيه ذلك النعيم و يعده إياه، فخلقهما جميعا لعلمه بخلقه، و ما أراد من كرامة أوليائه و هوان أعدائه، و علم أن هذا العبد الضعيف الجاهل إذا غيب عنه الثواب و العقاب، و صارا مذكورين في الخبر لا بالعيان، لم يسمح قلبه بترك الشهوات و تحمل المكاره، إلّا بتخوف لما خوّف و رجاء لما رجّى، فخوّف عباده و تهددهم، و رجّاهم و وعدهم، ليخوّفوا أنفسهم و يرجّوها، فيخافوه و يرجوه.
و كذلك وصف اللّه الذين فهموا ذلك عنه و خافوه، فقال عزّ و جلّ: وَ أَمَّا
[١] - النساء: ١٩.
[٢] - جزء من الحديث السابق تخريجه« حفت النار بالشهوات».