الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٤٠ - باب الرد على من قال إن الحسد بالجوارح و أنه لا يضر إذا كان في القلب ما لم يبده بفعل جارحة، و بيان خلافه للعلم
خوف أو طلب دنيا حسدا كلّه، فكان جميع إساءة العباد بعضهم إلى بعض حسدا، فكانت معاصى العباد بعضهم فى بعض حسدا، فلم يعص أحد فى أحد إلا بحسده، و هذا ما لا يقول به أحد يعلم أو يعقل، فالحسد بالقلب.
و كذلك وصفه اللّه عزّ و جلّ من الحاسدين، فقال تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ[١].
و قال تعالى: ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ لَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ[٢].
و قال تعالى: وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ[٣].
و قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً[٤].
فوصف الحسد بكراهية القلوب للحسنات التى يمنّ بها على المؤمنين، من نصر أو فتح أو خير و حب أن يزول عنهم إيمانهم، فأضاف اللّه عز و جل الحسد إلى فعل القلب و وصفه به، فهو بالقلب دون الجوارح.
فإن غمّه و ترك إبداءه كراهية له؛ فقد نفى من قلبه أن يعمل به، فأمسك جوارحه عن استعماله، لما نفاه بالكراهة، و إن كان لم يقدر أن يسكت عدوّه و لا يسكّت طبعه أن ينازعه، و كذلك قال الحسن، لأن العبد لا يقدر على تغيير طبعه و لا إسكات عدوه، فإن غمّه و ترك استعماله كراهية له و إباء أن يقبله فقد نفى الحسد عنه، فكفّ الجوارح أن يستعمله فيما نازعته نفسه إلى حسده،
[١] - آل عمران: ١٢٠.
[٢] - البقرة: ١٠٥.
[٣] - آل عمران: ٦٩.
[٤] - البقرة: ١٠٩.