الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٠٥ - باب معرفة التذكر بمعرفة أحواله
مضى من تفريطه في حقوق ربّه، و أعطى العزم أن يقوم به للّه عزّ و جلّ فيما يستقبل من عمره، و كلما مرّ بذنب قد اكتسبه هاج حزنه و ندمه، و خاف أن يكون قد نظر إليه اللّه جلّ و عزّ بمقت و غضب، فآلى على نفسه ألا يقبله بعدها، و لا يرحمه أبدا؛ فأعطى العزم ألا يعود إلى ذنب أبدا و اتصل الرجاء بالخوف، و امتنع منه الإياس، و رجع إلى نفسه بذكر الرجاء؛ أنه لو كان أوجب ألا يرحمني أبدا لما أهاج قلبي بالرجاء، و لا تسخّى قلبي بالتوبة، فالرجاء و الخوف هائجان في قلبي، و هو يستشفّ حقوق ربّه حقّا حقّا، و هو يتذكّر ذنوبه ذنبا ذنبا.
فإذا كثر ذكر التضييع لحقوق اللّه عزّ و جلّ في قلبه، و كثر ذكر عدد الذنوب التي كانت منه فلم يذكر يوما من أيامه طلعت فيه الشمس ثم غابت، حفظ للّه تعالى فيه جارحة من جوارحه، لا يعرف أنه حفظ لسانه في يوم من أيامه إلى أن أمسى، فلم يتكلم بكلمة يتخوف سخط اللّه عزّ و جلّ فيها، و لا سلم سمعه و بصره و خطاه، و لا تفقد فيه قلبه يوما إلى الليل في طاعة ربّه، فلم تخطر خطرة رياء و لا عجب و لا كبر و لا حسد إلا كرهها و سلم منها، فأخلص طاعة ربه يوما في أيامه فيما خلا من عمره.
فإذا نظر إلى كثرة تضييع حقوق اللّه جل و عز و دوام ترك الرعاية لها و عظيم الذنوب، و كثرة المظالم للناس عنده في أعراضهم و أموالهم، و ترك الإخلاص في القليل الذي كان يعمله، خاف أن يكون الخير محبطا، و تضييع حقوق اللّه تعالى و عظيم الذنوب قد سقط بهما من عين اللّه جلّ و عزّ، و كاد يخامر الإياس عقله؛ لأنه كان يظنّ أنه مطيع للّه عزّ و جلّ، فكلما فتش نفسه و تذكر أحواله، علم أنه قد كان حرب بدينه[١] و هو لا يعلم.
[١] - يعني: سلب دينه.