الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٩٨ - باب ما ينال به اجتماع الهم
و وصف اللّه مؤمني الجنّ فقال: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا[١].
فمدحهم بذلك إذ تناهوا عما يشغلهم عن فهم كتابه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم.
و قال عزّ و جلّ: وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا[٢].
فأمر تبارك و تعالى بترك الكلام لينال به فهم كتابه.
و روى عن حمزة بن عبد اللّه بن مسعود أنه قال: طوبى لمن لم يشغل قلبه بما ترى عيناه، و لم ينس ذكر ربّه بما تسمع أذناه. فإذا قطع العبد شغل جوارحه بألا يشغلها بغير ما يتفكر فيه، حضر عقله فلم يشغله بشىء مما ظهر.
الثانية: أن يمنع قلبه أن ينظر و يتفكر في شىء من أمور الدنيا سوى ما يريد أن يتفكر فيه، و كذا روى أبو هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم، أنه قال: «من كل قلب ابن آدم في كل واد شعبة، فمن أتبع قلبه تلك الشّعب لم يبال اللّه في أيّ أوديته هلك و وقع»[٣] و قوله عزّ و جلّ: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ[٤].
فهو: ألا يتفكر في غير ما يستمع، و روى ذلك عن مجاهد و غيره.
فإذا قطع العبد شغل جوارحه من الظاهر، و قطع فضول الفكر من الباطن، و منع قلبه من الفكر إلا فيما يريد أن يتفكر فيه، اجتمع همّه و حضر عقله،
[١] - الأحقاف: ٢٩.
[٢] - الأعراف: ٢٠٤.
[٣] - روى نحوه ابن عمر. أخرجه البيهقي في الزهد ص ٩١( ١٦)، و أحمد فى الزهد ص ٢٠.
كما روى نحوه ابن مسعود، أخرجه ابن ماجة في المقدمة ١/ ٩٥( ٢٥٧) و في الزهد ٢/ ١٣٧٥( ٤١٠٦) و قال البوصيري في الزوائد: إسناده ضعيف فيه نهشل بن سعيد، قيل: إنه يروى المناكير، و قيل: بل الموضوعات فأخرجه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم ص ٢٦٥ من نفس الطريق، و صححه الحاكم ٤/ ٣٢٨، ٣٢٩ و تعقبه الذهبي بأن فيه يحيى بن المتوكل ضعفوه.
[٤] - ق: ٣٧.