الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٩
الأمصار المختلفة و بخاصة فى بغداد و الكوفة و البصرة، فأخذ عن علمائها، و روى عن شيوخها.
كما تتلمذ الحارث على الشافعى (ت ٢٠٤ ه) و تلقى عنه الفقه و أصوله.
و هكذا قضى الحارث فترة هامة من حياته فى بيئات المحدثين و الفقهاء، علاوة على ورعه الذى عرف به منذ صدر حياته.
فقد حكى ابن ظفر المغربى فى كتابه «أنباء نجباء الأبناء» ص ١٤ أن الحارث المحاسبى- و هو صبى- مر بصبيان يلعبون على باب تمار، فوقف الحارث ينظر إلى لعبهم، و خرج صاحب الدار و معه تمرات، فقال للحارث:
كل هذه التمرات. قال الحارث: ما خبرك فيها؟
قال: إنى بعت الساعة تمرا من رجل فسقطت منه تمرة. فقال: أتعرفه؟
قال: نعم. فالتفت الحارث إلى الصبيان الذين يلعبون، و قال: أهذا الشيخ مسلم؟ قالوا: نعم. فمر و تركه.
فتبعه التمار حتى قبض عليه، فقال: و الله ما تنفلت من يدى حتى تقول لى ما فى نفسك منى. فقال: يا شيخ، إن كنت مسلما فاطلب صاحب التمرات، حتى تتخلص من تبعاته، كما تطلب الماء إذا كنت عطشانا شديد العطش، يا شيخ، تطعم أولاد المسلمين السحت- أى الحرام- و أنت مسلم؟
فقال الشيخ: و الله لا اتجرت للدنيا أبدا[١].
و قد سبق أنه تنزه عن ميراثه فى مال والده مع شدة حاجته، مما يدل على أن ميله إلى الزهد و الورع بدأ مبكرا جدا.
[١] - نقلا عن مقدمة رسالة المسترشدين ص ٢٧.