الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٧٨ - باب منازل التوابين
باب منازل التوابين[١]
اعلم أن الناس مختلفون في ذلك على ثلاث منازل، لا رابع لها:
فمنهم من نشأ على الخير لا صبوة له إلّا الزلة عند الشهوة، كالزلة التي لم يعر من مثلها النبيون و الصديقون، ثم يرجع إلى قلب طاهر لم تعتوره الشهوات، و لم يغتذ اللذات من الحرام، و لم تعتقبه الذنوب، و لم يعل قلبه الرّين، و لم تغلب عليه القسوة.
فرعاية حقوق اللّه عزّ و جلّ، و القيام بها على هذا أسهل، و المحنة عليه أخفّ، و دواعي النفس له أقلّ و أضعف، لأن قلبه طاهر، و اللّه عزّ و جلّ عليه مقبل، و له محبّ و متولّ، و الوليّ لا يخذل وليّه، و الحبيب لا يسلم إلى الهلكة حبيبه.
و قد جاء في الحديث: «يعجب ربّك للشاب ليست له صبوة»[٢]، أي يسرّ به و يعظم قدره عنده؛ لأن العجب على وجهين:
أحدهما: المحبّة بتعظيم قدر الطاعة، و السخط بتعظيم قدر الذنب في الجرأة.
و الوجه الثاني: الاستكثار للشىء، و إنما يعجب استكثارا للشىء الجاهل
[١] - في بعض النسخ: باب اختلاف الناس في طلب التقوى و في رعاية الأعمال للّه تعالى، الرعاية ما هي؟
[٢] - الحديث عن عقبة بن عامر، أخرجه أحمد ٤/ ١٥١، و ابن المبارك في الزهد( ٣٤٩)، و أبو يعلى ٣/ ٢٨٨( ١٧٤٩)، و الطبراني في الكبير ١٧/ ٣٠٩( ٨٥٣)، و القضاعي في مسند الشهاب ١/ ٢٣٦( ٥٧٦)، و حسّن الهيثمي إسناده في المجمع ١٠/ ٢٧٠، و هو كذلك؛ لأنه و إن كان فيه ابن لهيعة، فقد تابعه عمرو بن الحارث في رواية ابن المبارك، و اللّه أعلم.