الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٦٤ - باب ما يخاف العبد على نفسه بعد قيامه لله عز و جل بحسن الرعاية في ظاهره و باطنه
هو عارف به قادر عليه بغير ثمن و لا غرامة، فعزم على ذلك و بذله لهم.
فكذلك هذا العبد المريد، لما نظر إلى عباد اللّه عز و جل معرضين عن اللّه عز و جل، قد مرضت قلوبهم، و أعضل داؤهم، و هو عارف بما يحييهم، و ينعشهم من صرعتهم، و يشفيهم من سقم قلوبهم، بإذن اللّه عز و جل، عزم على ذلك، فدعاهم إلى اللّه عز و جل، و بصّرهم عيوبهم و داءهم و دواءهم.
فلما رأى العدو ذلك، وجد موضع دعاء إلى الفتنة بالرياسة و التصنّع و الرياء، و تروّحت النفس، و علمت أن العباد لن يمتنعوا من تعظيمه و تبجيله و برّه، فانتشر عليه طبعها، و حنّت من الإصابة من الدنيا و الكرامة لأكثر مما رفضت من الدنيا، لأنها كرامة و منزلة فوق منزلة الأمراء.
فنصحهم عند ذلك، و قد قويت نفسه و فرحت و ارتاحت، و وجد عدوّه موضعا لدعاء النفس إلى حبّ تعظيمهم و برّهم، و ذلك أنهم إذا كانت توبتهم و شفاء أمراض قلوبهم على يديه، صار أحبّ إليهم من آبائهم و أمهاتهم، فآثروه بأبدانهم و أموالهم، فصاروا له خولا كالخدّام، يتقربون بذلك إلى اللّه عز و جل، و خصّوه بأشرف المنازل، و عظّموه فى السلام، و أكرموه و برّوه.
و كل ذلك بخدعة نفسه و عدوه؛ إنك تجترّهم و تشوّقهم إلى اللّه عز و جل، و قد ركنت النفس إلى أكثر مما تركت من الدنيا، فلن تعرى من المحن و البلوى و الاختبار.
فإن ردّ عليه شىء من قوله، أو خطّئ فى عمله، جاشت النفس فخيلت إليه و خيّل إليه عدوّه أنه غضب للّه عز و جل، لئلا ينقطع المريدون عنه و يدعوا طريق الحق، فأخرجه الغضب إلى الوقيعة فيمن عابه، لئلا يصدّق فى عيبه، فخرج إلى المعصية فى العباد بالغيبة، بعد تركه لأكثر الحلال الواسع، فإن فتر