الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٦٣ - باب ما يخاف العبد على نفسه بعد قيامه لله عز و جل بحسن الرعاية في ظاهره و باطنه
موضع طمع، و لم تجد النفس موضع راحة إلى الدنيا، فبينما العبد فى إخلاصه و قوته- قد ضيق على نفسه الركون إلى الدنيا لرغبتها فيها، و التصنّع فى الدين لرغبتها فى زينة الحياة الدنيا، فلا تجد موضع طمع تتروّح به إلى الدنيا، و لا يجد العدو موضع طمع يزيل به العبد إلى الدنيا، فالعبد على العزم و القوة، و النفس قد قهرت، فهى طائعة من غير انقلاب من غريزتها، متطلعة هل تجد موضع طمع إلى الركون إلى محبّتها- إذ نظر العبد إلى الناس صرعى فى دينهم تضرب بهم المثلات، حيارى سكارى مرضى، أضنياء[١] صمّ عمى موتى، فغلبت على قلبه الرحمة لهم، إذ كان عنده من الدلالة و المعرفة ما يفتح اللّه تعالى به أبصار قلوبهم، و ما يشفون به من مرض قلوبهم، و ما يحيون به من بعد موتهم، من غير غرامة تدخل عليه، بل له على ذلك الربح العظيم من اللّه عز و جل.
فما مثله إلّا كمثل رجل كانت به علل كثيرة، قد أسهرته فى ليله، و أقلقته فى نهاره، كالضّربان فى العين، و الآكلة فى الجسد، فيعالج بدواء لا غرمة فيه، بغير ثمن أخذه، فبرأه من ذلك و صحّ، فنام الليل بعد طول سهره، و سكن بالنهار بعد طول قلقه، و صار إلى الصحة و العافية، فطابت بها حياته، وصفا بها عيشه.
فنظر إلى عدة من المسلمين لهم من العلل مثل الذى كان به، طويل سهرهم، شديد قلقهم، منغّصة حياتهم، فلما نظر إليهم هاجت الرحمة لهم من قلبه، و توجّع لهم، رحمة لهم، لمعرفته لما كان يلقى، فلما استقرت الرحمة لهم من قلبه، ذكر أن دواءهم الذى يشفى اللّه عز و جل به سقمهم،
[١] - أضنياء: جمع ضنى و ضن، و هو من أصابه ضنى، و الضنى: المرض.