الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٣١ - باب ما يكون من الحسد عن العجب
لأن عينك ذاهبة بالموت و البلاء لا محالة، و إثم الحسد لا يبلى و لا يمحى حتى يوقفك اللّه عز و جل عليه، و يسألك عنه، ثم لعله يكون آخره الطامّة الكبرى، غضب اللّه عزّ و جلّ عليك من أجله، فلأن تذهب عينك فى الدنيا خير لك من أن يكون لك عين فى النار، ثم لا تلبث أن يعميها العذاب.
أيّهما أيسر: حالك أو حال من رجعت رميته إلى عينه و لم تصب عين عدوه؟ فهو أيسر منك حالا و أنت أشد منه بلاء و ضررا، إذ لم تزل النعم عمّن حسدته، و زالت عنك النعمة التى كانت عليك، من سلامة قلبك من الحسد للمؤمنين، فأنزلت بنفسك ما أردت بغيرك أو أكثر، و لم يرك اللّه عزّ و جلّ فيه الذى تحبّ، و بقيت النعمة عليه على الرغم منك و الجزع منك، و ما دخل عليك من الضرر فى دنياك أعظم عليك، إذ لم تخف الآخرة إذ نزل الغمّ بقلبك، كلما رأيت به حسنة أغممت بها، و تعذب قلبك بالغمّ بها، فاللّه عزّ و جلّ ينعّمه بطاعته أو بالدنيا، و تعذّب قلبك بحسده.
فأنت مغموم و هو مسرور، فعذبت نفسك بنعيم غيرك، بغير منفعة دخلت عليك، فأنزلت بنفسك الغمّ بغيرك، و أثمت و تعرضت للعذاب و العقوبة.
فلن يجهل هذا الوصف عاقل، و لا يقيم على الحسد بعد هذا الوصف لبيب، إذا تفكّر فعقل ما يضره مما ينفعه، إذا كان مؤمنا، بل الكفار لو تدبروا هذا الوصف لردعهم ذلك عن الحسد، و إن كانوا لا يؤمنون بالبعث و الحساب، إن علموا أن قلوبهم معذّبة بالغموم لنعم اللّه عزّ و جلّ على خلقه، و النعم على المنعم عليه جارية غير زائلة، فلم يعطوا ما أرادوا، و عذّبوا أنفسهم بالغمّ، و تنعّم أولئك بما يتعذّبون به.
فما من كافر لا يؤمن بالبعث يعرف هذا الوصف، إلا ردعه عن الحسد، إن كان له عقل، من أجل دنياه دون آخرته، فكيف من آمن بالبعث، و علم