الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٢٩ - باب ما يكون من الحسد عن العجب
الذى يوجب سخط اللّه عزّ و جلّ- بغير منفعة فى دين و لا دنيا نالها- مؤمن عاقل.
و أيسر من ذلك كله أن لو كان الذى تحسده أبغض الناس إليك و أشدّهم عداوة لك أنه لا تزول النعمة عنه بحسدك له؛ لأن اللّه عزّ و جلّ لو أطاع الحاسدين فى المحسودين لما أبقى عليهم نعمة، و لكن يمضى نعمه و قسمه لعباده، و لا ينظر إلى حسد الحاسدين. و لو فعل بالمحسودين ما يحبّ الحاسدون لهم، لما بقى على النبيين صلوات اللّه عليهم أجمعين نعمة، و لأفقر الأغنياء لحسدهم لهم، و لأضلّ المؤمنين لحسد الكافرين لهم، و لكن الحسد على الحاسد ضرره، و النعمة جارية على من أراد اللّه عزّ و جلّ أن يتمّها عليه إلى الوقت الذى أراده و قدره، و لا ينظر إلى حسد الحاسدين.
ألا ترى إلى قوله عز و جل: وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَ ما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ[١].
فبمحبتهم أن يضلّوا المؤمنين ضلّوا بذلك، لأن تلك المحبة لهم ضلال؛ لأنهم أحبّوا أن يرجع المؤمنون ضلّالا، و ذلك هو الضلال: أن يكفر باللّه عزّ و جل، فمن أحب أن يكفر باللّه تعالى فهو كافر، فازدادوا كفرا بحسدهم مع غشهم للنبى صلّى اللّه عليه و سلم و المؤمنين.
و إنما مثل الحاسد فيمن عاداه أو باهاه أو تكبّر عليه أو تعجّب عليه أو تفضّل عليه، مثل رجل أراد أن يرمى عدوا له بحجر، فلما رماه له رجع الحجر على عين الرامى فأصابها، و أعاد الرمى فرجع الحجر أيضا على عينه فأصابها، حتى فعل ذلك مرارا، كل ذلك لا يصيب عدوّه، و يرجع الحجر عليه فيقع بعينه، و كذلك إن رماه بسهم أو بغير ذلك، كل ذلك يرجع على عينه و لا يصيب
[١] - آل عمران: ٦٩.