الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦٢ - باب في تعريف المغتر نفسه و طول غرته
و لقد خشيت أن لو وجد ذلك ألا يكون سلم مما سوى ذلك مما كره اللّه عز و جل، في ضميره، من العجب و الكبر و الحسد و الشماتة و سوء الظن و غيره؛ لأن عامة قراء زماننا مغترون مخدوعون. نعد أنفسنا المتقشفين المتنسكين، و لعلنا عند اللّه من الفاجرين الفاسقين! و كيف نأمن أن نكون كذلك، و نحن لا يأتي علينا يوم إلا جددنا فيه ذنوبا، لم تكن من قبل، نضيفها إلى ما خلا من الذنوب بالأمس، من ذنوب الجوارح، و ذنوب الضمير؛ من الكبر و الحسد و الشماتة و سوء الظن و العجب و الرياء و غير ذلك، فكل يوم من أعمارنا نكتسب فيه ذنوبا جديدة بجوارحنا و قلوبنا، نضمها إلى الذنوب التي كانت بالأمس جمعا جمعا.
فلن نخلو من إحدى منزلتين: أن نكون عند اللّه عز و جل من أهل العفو و التجاوز و الصفح، فكل يوم نزداد بتجديد الذنوب- مع تجديد الأيام و الليالي- طول مقام بين يدي اللّه عز و جل، و كثرة سؤال، و دوام خطر، و كثرة تعب غير موصوف.
أو أن نكون من أهل العداوة و الغضب، فكلّ يوم نزداد فيه بتجديد الذنوب زيادة في العذاب بالتضعيف و الذل و الهوان؛ فلا تخلو ذنوبنا من أن نزداد بها كثرة سؤال أو شدة عذاب؛ لأن أول ذنب اكتسبناه عند البلوغ و الإدراك استوجبنا به العذاب، ثم كلّ ذنب بعده زيادة في العذاب بالتضعيف، إلا أن يعفو الرحيم الجواد الكريم. و إن يعف فأول ذنب أذنبناه عند البلوغ، وجب علينا التوقيف عليه بين يدي اللّه عز و جل، و السؤال عنه، ثم كلّ ذنب بعده نزداد به توقيفا عليه و كثرة سؤال عنه.
يا أخي، فلتكن التقوى من بالك؛ فإنها رأس مالك، و النوافل بعد ذلك ربحك، و ليس بتاجر عاقل و لا حصيف لبيب من يعدّ له ربحا دون أن يكمل رأس ماله.