الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٦١ - باب في تعريف المغتر نفسه و طول غرته
باب في تعريف المغتر نفسه و طول غرته
قلت: فكيف لهذا المغتر بظاهر طاعته، أن يعرف نفسه و طول غرته، في أيام الدنيا بقراءته؟.
قال: يرجع هذا القارئ المتقشف إلى نفسه، ثم يعرض أيامه التي خلت من عمره في تقشفه و تزهّده، هل أتى عليه يوم منها، طلعت عليه فيه الشمس ثم غابت عنه، حفظ فيه جارحة من جوارحه مما كره اللّه عز و جل و نهى عنه، و قام بها فيما أوجب اللّه عز و جل و افترضه عليه.
فلو فعل ذلك- فاعترضها جارحة جارحة، هل يعرف يوما إلى الليل، حفظ فيه لسانه، فلم يتكلم بكلمة تسخط اللّه جل و عز، و لم يسكت عن كلمة أوجبها عليه ربه حتى أمسى- لخشيت ألا يجد ذلك اليوم فيما مضى من أيام قراءته؛ دون أيام جهالته.
و كذلك بصره و سمعه و خطاه، و جميع جوارحه.
لو وجد من نفسه أنه حفظ للّه عز و جل جوارحه أيام قراءته، أو يوما خلا منها ثم رجع إلى قلبه، فتذكر: هل يعرف يوما من أيام قراءته مع حفظه لجوارحه، هل تفقد فيه قلبه- فعلم أنه قد كان حذرا من اطلاع اللّه عز و جل على ما يضمر فيه، و كان عقله حارسا لهواه في يومه ذلك، فلم تخطر خطرة يكرهها اللّه عز و جل، من الرياء و التصنع بعمله إلا عرفها و كرهها، و سلم من جميع خطرات هواه، أو عدوّه في يومه ذلك، حتى عرف أنه قد أخلص يوما إلى الليل، يتفقّد ذلك من غير غفلة و لا غرة- لخشيت ألا يجد ذلك.