الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٩٤ - باب الغرة بالعزلة و الفرار من الناس
فأى مال ينجو فى زماننا من أن يخالطه الحرام؟. فلو سلم عمله القليل من الآفات التى تفسده، لم يأمن أن يكون قد عمل عملا قد يغضب اللّه عز و جل عليه به، فأحبط عمله، أو أحبط بعض ما مضى من عمله، و إن لم يغضب اللّه عز و جل عليه، هذا لو سلم من الآفات التى تفسد ببعضها، كالرياء الذى لا يقبل اللّه عز و جل الأعمال إذا كان فيها.
بالكتاب و السنة ثبت ذلك عند أهل العلم و المعرفة: أن الرياء محبط للعمل إذا اعتقده عامله، أو العجب، كما جاء: أن صلاة المدلّ لا ترتفع فوق رأسه[١]، أو كالحسد الذى جاء فيه: «إن الحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب»[٢].
فحقوق اللّه عز و جل عظيمة، و الطاعة واجبة، و المعاصى فى الظاهر و الباطن كثيرة، التى لا يكاد يسلم منها، و القليل من عمله تعتوره الآفات التى تخالطه فتفسده، و بتضييع بعض الحقوق الواجبة لا يأمن العبد فى تضييعه إياها أن يحبط عمله.
و لو خلص من الآفات، و سلم من الذنوب، و لم يضيع حقا، و لا ركب نهيا، و لا غفل غفلة يخاف الزلل منها و هو لا يشعر- و ذلك يكاد يستحيل من مثلنا- لكان- فى عظيم ما يطلب، من النجاة من العذاب، و الفوز بجوار الرحمن عز و جل- عمله يسيرا حقيرا فى جنب ذلك، ما لا يقوم عمله بشكر بعض نعم الدنيا دون نعم الدين، فعمله صغير عندما أنعم اللّه عز و جل عليه، و عندما يطلب.
[١] - سبق فى ص ٤٢٩- أن العراقى قال: لم أجد له أصلا.
[٢] - الحديث عن أبى هريرة، أخرجه أبو داود فى الأدب ٤/ ٢٧٦( ٤٩٠٣)، و البيهقى فى الآداب ص ١٠٧( ١٥٠)، و إسناد الحديث ضعيف، لأن الراوى عن أبى هريرة مجهول.