الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٨٤ - باب الغرة بالجدل و حسن البصر بالاحتجاج و الرد على أهل الأديان
عما هو أولى بها، فإنما تنفى غرّتها بذلك بأن تعلم أن اللّه عز و جل تعبد من مضى بما تعبدها به و قد أدرك كثير منهم ناسا من أهل البدع و الأهواء، فما جعل عمره و لا دينه غرضا لخصومات، و لا اشتغل بذلك عن النظر لنفسه، و العمل ليوم فقره، إلا أن يرى موضع حاجة يظن أنه إن تكلم بالحق قبل منه، فيقول بالحق و يحذر أن يخطئ على اللّه عز و جل، فيرد الباطل بالباطل، فكانوا على ذلك، و ذمّوا الجدل و الخصومات و رووا عن نبيهم صلّى اللّه عليه و سلم، رواه عنه أبو أمامة أنه قال: «ما ضلّ قوم قط إلا أوتوا الجدل»[١].
و ذم اللّه عز و جل ذلك فقال: وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ[٢].
و قال تعالى لقريش: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ[٣]، فذمّ المراء و الجدل.
فليرجع المؤمن إلى نفسه فليقل لها: إنما تدعين إلى الاتباع و السنة بجدلك لأهل الأهواء، و دعاؤك لهم بالجدل و المراء ترك للسّنة[٤]؛ لأن النبى صلّى اللّه عليه و سلم نهى بسنته عن الجدل و الخصومات، و غضب على أصحابه، حتى كأنما فقئ فى وجهه حبّ الرّمّان، حمرة من الغضب، إذ خرج عليهم و هم يختصمون، و هم كانوا أولى الخلق بالفهم و البصر بالحجاج فقال: «أبهذا بعثت أم بهذا أمرتم: أن تضربوا كتاب اللّه عز و جل بعضه ببعض؟ انظروا إلى ما أمرتم به
[١] - أخرجه أحمد ٥/ ٥٥٢، ٥٥٦، و الترمذى- و قال: حسن صحيح- فى تفسير سورة الزخرف ٩/ ١٣٠( ٣٣٠٦)، و ابن ماجة فى المقدمة ١/ ١٩( ٤٨)، و الطبرانى فى الكبير ٩/ ٣٣٣( ٨٠٦٧)، و صححه الحاكم ٢/ ٤٤٧، ٤٤٨ و وافقه الذهبى.
[٢] - البقرة: ٢٠٤.
[٣] - الزخرف: ٥٨.
[٤] - قال وكيع بن الجراح:« من طلب الحديث كما جاء فهو سنة، و من طلبه يقوى به رأيه فهو صاحب بدعة»[ سير أعلام النبلاء ٩/ ١٤٤].