الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٨١ - باب الغرة بحفظ كلام المذكرين و القصص و أحاديث الزهد و غيره
و رقتها؟ و هل يراه مؤثرا للدنيا على محبة ربّه عزّ و جلّ، فيما أوجب فعله و أوجب تركه و ندب إلى القربة به؟
فإنه حينئذ يرى نفسه تغلبه إلى استعمال جوارحه فيما كره اللّه عز و جلّ، من الكلام بلسانه، و النظر بعينه، و سائر جوارحه، من المشى و غيره، فيما عليه و لا هو له، و كذلك قلبه، يجده ينازعه إذا تفقده عند دواعيه إلى الرياء و الكبر و العجب و الحسد و غيره، و كذلك يجد نفسه مؤثره للدنيا على محبّة ربّه عز و جل، فى أكثر أحواله.
فإذا علم بذلك من نفسه، علم أنه كان يصف الخوف للّه عزّ و جل، و هو غير خائف منه، و يصف طهارة القلوب و رقتها و قلبه دنس قاس، و يصف الزهد فى الدنيا و يروى الآثار فيه، و هو فى الدنيا راغب، و لها على الآخرة مؤثر، فيعلم بذلك أنه كان مغترا بما يصف و يروى و يكتب من حسن القول و آداب الصالحين و الزهد فى الدنيا و الذم لها، فيزول عنه بذلك غرّته، و لا يقنع بذلك من نفسه دون أن يراها كما يصف، أو الغالب عليها مطالبة ذلك، ليظفر بذلك إذا علم أنه كان منسلخا من أكثر ما كان يصف و يقول و يروى و يكتب.
**********