الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٥٧٣ - باب الغرة بعلم العمال لله تعالى من علم الصدق و الإخلاص، و نفي الرياء و الأخلاق المذمومة و وصف الخوف و الرجاء و الحب
ألزم معرفتها قلبه، و لا عبرّ عنها بلسانه.
و كذلك ما يصف من تضييع حقوق اللّه عز و جل، و ما نهى عنه، مما ذمه و أحبط العمل من أجله، مما لا يعرف إلا بشدة التفقد له، و لولا أنه تارك مجانب له لما لزمت معرفة ذلك قلبه و لا ذمه بلسانه.
أما المغتر، فهو يرى أنه من الخائفين للّه عز و جل و هو من الآمنين، و من الراجين له و هو من المغترين المضيّعين، و من الراضين عنه و هو من الساخطين عليه، و من المتوكلين عليه و هو من المتوكلين على غيره، قليلة باللّه ثقته، و من المخلصين له و هو من المرائين، حتى إنه قد يصف الإخلاص بترك الإخلاص[١] ليقال: مخلص، و يصف الرياء ليقال: قد فطن إلى مذهب الرياء قلبه، فغرّه حسن وصفه، و بيان عبارته بلسانه، و معرفة قلبه بجملة ذلك كله، و إنما ذلك كله لمعرفته بغير اعتقاد نية، و لا عمل بضمير و لا جارحة، إلا الشىء اليسير الذى لا يعرى أن يناله عامّة المسلمين.
قلت: و كيف عرف بقلبه و وصف بلسانه ما هو منسلخ من العمل به؟
قال: تلك معرفة اللسان من الكتاب و العلم، و حفظ كلام المتكلمين، ممن عمل منهم بما يقول، فهو يصف الإخلاص لمعرفته بجمله، و يصف الخوف لمعرفته ما الخوف، لا أنه تكلّف الخوف حتى خاف اللّه و حذره، ثم وصف الخوف بعد القيام به، و كذلك جميع أخلاق الدين.
و كذلك يصف الرياء بجملة المعرفة له ما هو فى العلم، و ما دل عليه العلماء، من غير تفقّد له من قلبه؛ حذرا من اللّه عز و جل أن يطلع على قلبه و هو معتقد للرياء، فيمقته و يحبط فى القيامة عمله، فيكون قد تفقده بحذر من اللّه عز و جل و نفاه و اتقاه و جانبه، ثم وصفه بعد حذره من اللّه عز و جل من
[١] - معنى ذلك أنه يشرح معنى الإخلاص بأعلى درجاته و هو ترك ملاحظة العبد إخلاصه، إذ صار لتمكنه من قلبه سجية و ملكة يجرى من غير تفقد له أو شعور به، و لا ينسب ذلك لنفسه، بل ينسبه للّه تبارك و تعالى.