الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٩٧ - باب ما يكون من الكبر عن الرياء و ما يورث من الأعمال المذمومة
كذلك فيما يظهر من اللباس، إن لبس الرجل الصوف، يتكبر به على من هو دونه فى اللباس، ألا ترى إلى قول الحسن: حتى إنّ صاحب الصوف أشد كبرا من صاحب مطرف الخزّ فى خزه[١]. و صدق رحمه اللّه، إنما يتكبر لابس الخز على من دونه من أهل الدنيا، و يتواضع لأهل الدين، و الذى يلبس الصوف على الدين قد يتكبر على صاحب الخز، و صاحب الخز إذا رآه عرف له الفضل عليه، و ذلّ فى نفسه له، لما يرى عليه من لباس الصالحين و آثار الزاهدين فى الدنيا.
فالعجب و الكبر لا يأمنهما عاقل على حال. فكل ما بان به العبد[٢] على غيره كانت الفتنة إليه أسرع؛ و من ذلك أن تميما الدارى استأذن عمر فى القصص، فأبى أن يأذن له، و قال له: إنه الذبح[٣]. و استأذنه رجل كان إمام قومه أنه إذا صلى و سلم من صلاته ذكرهم، فدعا بدعوات، فأبى أن يأذن له، و قال: إنى أخاف أن تنتفخ حتى تبلغ الثريا[٤]. فخشى عليه الكبر.
و صلى حذيفة بقومه فلما سلم قال: لتلتمسنّ إماما غيرى أو تصلون وحدانا. و قيل فى حديث آخر: إنه قال: إنى رأيت فى نفسى أنه ليس فى القوم
[١] - مطرف الخز: رداء من الحرير.
[٢] - يعنى ما تميز به العبد.
[٣] - أخرجه الطبرانى فى الكبير ٢/ ٤٩، ٥٠( ١٢٤٩)، و قال الهيثمى فى المجمع ١/ ١٩٠:« رجاله رجال الصحيح، إلا أن عمرو بن دينار لم يسمع من عمر».
[٤] - روى الحارث بن معاوية الكندى أنه سأل عمر عن القصص، فقال:« أخشى عليك أن تقص فترتفع عليهم فى نفسك، ثم تقص فترتفع حتى يخيل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا، فيضعك اللّه تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك». أخرجه أحمد ١/ ١٨، و قال الهيثمى فى المجمع ١/ ١٨٩:« الحارث ابن معاوية الكندى وثقه ابن حبان، و روى عنه غير واحد، و بقية رجاله من رجال الصحيح».