الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٦٠ - باب العجب بكثرة العدد
أَكْثَرَ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً[١] فيستطيل المعجب بالكثرة على الناس، و يجترئ على المشاتمة و القتال و الضرب لغيره، متّكلا على كثرتهم لينصروه و يمنعوه، و يحمله ذلك على جحد الحقوق و الجور و الظلم، بالاتكال على الكثرة.
و بالعجب ظلم أكثر من ظلم و استطال.
قلت: فبم أنفى ذلك؟.
قال: بمعرفتك بضعفك و ضعفهم، و أن من لم ينصره اللّه عزّ و جلّ فلا ناصر له، و من لم يقه اللّه عزّ و جلّ فلا واقى له، و أن الاتكال عليهم دون الاتكال على اللّه عز و جلّ يستأهل به صاحبه الخذلان من اللّه عز و جلّ، حتى لا ينفعه جمعهم و لا كثرتهم[٢].
و قد يعجل ذلك له، فإن لم يعجل ذلك له لم يغترّ و توقع ذلك سريعا: أن لم يقلها أهل حنين، و هم خير عصابة على وجه الأرض، و كيف يقلها العاصى الظالم المسرف على نفسه[٣].
و بمعرفته[٤] أن الجمع سيتفرق عنه، و أنه سيخلو بنزع الموت وحده، ثم يموت فيسلمونه إلى البلى، و لا يغنون عنه من اللّه عزّ و جلّ شيئا، و أن كل من استعان بهم فأعانوه عليه، أو استطال أو ظلم بقوتهم؛ أن ذلك كله مثبت
[١] - سبأ: ٣٥.
[٢] - كما فى قوله تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ( آل عمران: ١٦٠).
[٣] - يعنى يعلم أنه إذا كان اللّه عز و جل لم يدع ذلك من أهل حنين بدون مؤاخذة مع ما كانوا عليه من الفضل فأولى أن لا يدع إعجاب الظالم لنفسه يمر دون عقاب و مؤاخذة.
[٤] - يعنى: ينفى ذلك أيضا بمعرفته ...