الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٦ - خطبة الكتاب
يعني حجرا أملس عليه تراب يسير، و ندى قليل، فنبت، حتى إذا وصلت عروقه إلى الصفا لم يجد مساغا ينفذ فيه، فيبس، و وقع منه شىء في أرض طيبة فيها شوك نابت، فنبت البذر فلما ارتفع خنقه الشوك فأفسده و اختلط به، و وقع منه شىء على أرض طيبة ليس على ظهر الطريق، و لا على صفا، و لا فيها شوك، فنبت و نما و صلح.
فمثل الباذر كمثل الحكيم؛ و مثل البذر كمثل صواب الكلام، يتكلم به الحكيم، و مثل ما وقع على ظهر الطريق مثل الرجل يستمع الكلام و هو لا يريد أن يستمعه، فلا يلبث الشيطان أن يخطفه من قلبه فينساه، و مثل الذي وقع على الصفا مثل الرجل يستمع الكلام فيستمعه و يستحسنه، ثم يفضي إلى قلب ليس فيه عزم على العمل، فينفسخ من قلبه، و مثل الذي وقع في أرض طيبة فيها شوك مثل الرجل يستمع إلى الكلام و هو ينوي أن يعمل به، فإذا اعترضت له الشهوات عند مواقع الأعمال خنقته، فأفسدته فترك استعمال ما نوى أن يعمل به، و مثل الذي وقع في أرض طيبة ليس على ظهر طريق، و لا فيها شوك و لا على صفا مثل الرجل يستمع إلى الكلام و هو ينوي أن يعمل به فيفهمه، ثم يصبر على العمل به عند مواقع الأعمال، و يجانب الشهوات.
قال أبو عبد اللّه: فلقد ضرب هذا المثل، فما غادر ما يحب اللّه، عز و جل، أن يدل عليه، مما أدّب اللّه عز و جل به عباده، لأنه أدبهم بالاستماع و الإنصات و النية على الطاعة، و الصبر عليها، عند مواقع الأعمال و مجانبة الشهوات، و الأهواء المزيلة عن الطاعة و المفسدة لها، و إن أدوها بجوارحهم[١].
[١] - في هذا المعنى روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال:« مثل ما بعثني اللّه به من الهدى و العلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ و العشب الكثير، و كانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه بها الناس، فشربوا، و سقوا، و زرعوا، و أصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، و لا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه-- في دين اللّه، و نفعه ما بعثني اللّه به، فعلم و علّم، و مثل من لم يرفع بذلك رأسا، و لم يقبل هدي اللّه الذي أرسلت به».
أخرجه البخاري في العلم ١/ ١٧٥( ٧٩)، و مسلم في الفضائل ٤/ ١٧٨٧، ١٧٨٨( ٢٢٨٢).