الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٤ - خطبة الكتاب
إليه، يريد اللّه عز و جل بذلك؛ كان له فيه ذكرى، لأن اللّه تبارك اسمه قال ذلك، و هو كما قال عز و جل. و بذلك وصف المؤمنين و أمرهم به، فقال عز و جل: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ[١].
و قال تعالى: وَ إِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا[٢].
و إن كان ذلك في الصلاة، أو الخطبة، فهو أدب لكل مستمع إلى خير.
و وصف اللّه تعالى مؤمني الجنّ بذلك حين سمعوا النبي صلّى اللّه عليه و سلم يقرأ بنخلة[٣]، و قيل: بعكاظ، فقال تعالى: فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا[٤].
فأمر بالاستماع لكتابه، مع ترك الكلام، بحضور العقل، لينال عباده بذلك الفهم عنه.
و ذمّ من خالف ذلك فقال عز و جل: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَ إِذْ هُمْ نَجْوى[٥].
[١] - الزمر: ١٨.
[٢] - الأعراف: ٢٠٤.
[٣] - نخلة: واد على بعد ليلة من مكة شرفها الله تعالى( انظر القاموس المحيط ٤/ ٥٦).
[٤] - الأحقاف: ٢٩، و قصة اجتماع الجن على النبي صلّى اللّه عليه و سلم و سماعهم منه، رواها ابن مسعود، في حديث صححه الحاكم ٢/ ٤٥٦، و وافقه الذهبي. و أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٢٢٨. و كانت هذه هي المرة الثانية لاجتماعهم عليه، أما المرة الأولى فحينما حيل بينهم و بين السماء و ضربوا في المشارق و المغارب يلتمسون الخبر، حتى سمعوا النبي صلّى اللّه عليه و سلم يقرأ، فعادوا إلى قومهم و قالوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ... الآيات من سورة الجن.
و قد روى هذا الحديث ابن عباس، و أخرجه البخاري في التفسير ٨/ ٦٦٩( ٤٩٢١)، و مسلم في الصلاة ١/ ٣٣١( ٤٤٩)، و الترمذي في تفسير الجن ٩/ ٢٣٩- ٢٤٣( ٣٣٧٩).
[٥] - الإسراء: ٤٧.