الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٣٩ - باب ما ينفي به العجب بالرأي الخطأ
باب ما ينفي به العجب بالرأي الخطأ
قلت: أفرأيت نفى العجب بالرأى الخطأ إذا كان ليس بنعمة فأذكر منّة اللّه عزّ و جلّ بذلك، و لا أضيف ذلك إلى نفسى، فبم أنفيه، إذ تبيّن لى أنه بليّة و خذلان أو نقص فى الدين؟
قال: قد ينفى العبد العجب بالرأى الخطأ بتهمة نفسه، و ترك الاستحسان لشىء من رأيه إلا بدليل بيّن و حجّة واضحة من الكتاب و السنّة أو قياس عليهما، و استنباط حكم فى نازلة.
قلت: و كيف يتّهمها؟ و ما الذى ينال به تهمتها؟.
قال: لمعرفة ما بنيت عليه فى الخلقة أن من شأنها السهو و الغفلة، و لما جرب منها من كثرة غلطها، و كثرة زللها، و سوء تأويله ما لا يحصى مرارا كثيرة، فى كل ذلك يرى أنه مصيب لا يشك عند نفسه فى ذلك، ثم يتبيّن له بعد أنه قد كان غفل و غلط، و كان استحسانه لذلك من قبل الهوى و تزيين الشيطان[١].
[١] - و قد فهم ذلك الكثيرون من الصحابة الذين كان لهم رأى آخر فى صلح الحديبية، و منهم سهل بن حنيف الذى قال:« يا أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتنى يوم أبى جندل[ و هو ابن سهيل بن عمرو، و كان جاء مسلما يرسف فى أغلاله، و رده الرسول صلّى اللّه عليه و سلّم للمشركين، وفاء ببنود الصلح، فحزن له أكثر الصحابة] و لو أستطيع أن أردّ أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم لرددته، و ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه، غير هذا الأمر». أخرجه البخارى فى الاعتصام ١٣/ ٢٨٢( ٧٣٠٨)، و مسلم فى الجهاد و السير ٣/ ١٤١١( ١٧٨٥/ ٩٤، ٩٥).