الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٣٨ - باب ما ينفي به العجب بأعمال الطاعة
أو لو صنع لك سما فى طعامك ليقتلك به، فأراك الآخر بالتجربة على بعض البهائم ما أراد أن يقتلك به من السمّ حتى عرفت أنك لو أكلت ما هيّأ لك من الطعام كان فى ذلك عطبك[١]؛ من قتله بذلك السمّ للبهيمة التى جرّب عليها.
ألم تكن تزداد له مقتا و بغضا، و للذى أنقذك من مكيدته حبا و مودة و أنسا و منّة؟ و للذى أراد بك السوء حذرا؟ و للذى حال بينك و بين ذلك ثقة و طمأنينة؟ رجاء أن ينقذك من أمثال ذلك، و خوفا من الآخر أن يغتالك بمثل ذلك.
فإن ادعى المريد لك بالسوء أنه هو الذى أنقذك منه، هل كنت ناسيا للذى أنقذك؟ و مضيفا نجاتك إلى الذى أراد بك المكيدة بالسوء؟
كلا ما كنت فاعلا أبدا ذلك ما صح لك عقلك.
فكم من بلية قد أرادتها بك نفسك فعزم اللّه عزّ و جلّ لك على تركها، و أيقظك و أزال عنك غفلتك فعصمك منها، و قد كان فيها عطبك بالنار أعظم من الميتة بالحجر و السمّ! و كم من حقّ للّه عز و جل قد هممت بتضييعه، فأبى اللّه عز و جل إلا أن وفقك لخلاف ما هممت به، فقد وجب عليك المقت لنفسك و الحذر منها، و ترك إضافة العمل إليها بالحمد لها، و الحب لربك عز و جل، و الطمأنينة إليه، و الثقة به، و الحمد له خالصا وحده، و الشكر له على منّته بكل ما نلت من برّ و طاعة.
قلت: قد تبين لى بوصفك هذا- و قد كان عندى فى الجملة هكذا- أن نفسى لو تركها ربّى عز و جل لأهلكتنى، و أن الذى تولّى ذلك له المنّة علىّ بذلك، حتى نلت ما نلت من برّ و طاعة، هو وحده لا شريك له.
[١] - العطب: الهلاك.