الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٤٣٧ - باب ما ينفي به العجب بأعمال الطاعة
محاربون للّه عزّ و جلّ و لدينه، لأجابك طائعا، و أبغض الرجوع إلى بلاده.
فهى شرّ و أعجب عصيانا و إباء من الأسير، إذ عصت بعد العلم بأنك إنما تدعوها إلى نجاتها و تجانب بها هلكتها، و قد نجد بعض الأسراء مشبها لها فى جميع أمورها، لأنه قد يكون الأسير يعرف الإيمان و فضله، كما وصف اللّه عزّ و جلّ به بعض أهل الكتاب، أنهم يعرفون الحقّ و يجانبونه بعد العلم، فقال:
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ[١]
و وصف إبليس أنه اعترف له بالربوبية ثم عاند بعد علم، و قال عز من قائل:
وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ[٢].
فكذلك هى: تأبى بعد علم و بيان و معرفة، فهى تساوى شرّ الأسارى، و توافق كل أسير جاهل أو عالم، فلا فرق بينهما فى الشبه من قبل الإباء و العصيان، فالحمد للّه وحده، و الذمّ لها، و الحذر و الخوف منها، و ترك الطمأنينة إليها، لمعرفتك بها، فمن عرف نفسه زال عنه العجب، و عظم شكر الربّ عزّ و جلّ، و اشتد حذره منها، و الثقة و الطمأنينة إلى المولى عزّ و جلّ، و المقت لها، و الحب للمتفضل المنعم.
أرأيت لو صحبك صاحبان، فأراد أحدهما- و أنت نائم- أن يرضخ رأسك بصخرة، فأيقظك الآخر، و قد أمسك يده على الصخرة و هو رافعها ليرميك بها، فأراك ما همّ به، و ما أراد أن يغتالك به.
[١] - يونس: ٩٤، و أوضح من ذلك دلالة على المقصود قوله تعالى: وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ( البقرة: ٨٩).
[٢] - الأنفال: ٥، ٦.