الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٩٧ - باب ما يستعان به على ترك لقاء الإخوان الذين يتخوف من لقائهم قلة السلامة في الدين
فى طلب مرضاته؛ فيكابد له نفسه، و يجاهد له هواه، فعند ذلك يخفف اللّه عز و جل عنه المحن، و يميت منه الهوى، و يلى[١] سياسته و تقويمه حين يراه جادا فى طلب مرضاته عز و جل.
و لو أن عبدا من عبيد أهل الدنيا أقبل إلى مولاه، و هو ضعيف فى بدنه، فأقبل إلى مولاه بضعفه، يقع مرة فى مشيته، و يقوم أخرى، فكان ذلك منه مرارا، فنظر إليه مولاه، مقبلا إليه، مكبا يكبو لوجهه لضعفه، ثم يقوم، فلا يمنعه وقوعه من الإقبال إليه؛ لطلب القربة منه و مرضاته؛ فرآه يصيبه ذلك فى الإقبال إليه مرارا، و عنده دوابّ كثيرة، ثم كان له أدنى كرم أو رحمة لما ودعه كرمه و لا رحمته إلا أن يرسل إليه بدابة يأتيه عليها، مستريحا من الوقوع، و يسرع عليها إلى لقائه.
فاللّه عز و جل أولى بذلك، إذا رأى عبده المريد مجاهدا لنفسه، يزلّ، ثم لا يمنعه ذلك أن يعود إلى طلب مرضاته، يجاهد من نفسه، مغتما بزواله أعظم من غم الساقط على وجهه. فإذا رآه كذلك خفف عليه طلب مرضاته، و أسرع به إلى معالى درجات القرب منه.
جلّ من لا يشبهه أحد فى جوده و كرمه و رأفته و رحمته و تحننه و لطفه.
[١] - يلى سياسته: يعنى يتولى هو بنفسه سياسته.