الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٩٦ - باب ما يستعان به على ترك لقاء الإخوان الذين يتخوف من لقائهم قلة السلامة في الدين
احتمى عاش و نهك، فقد آخى الأطباء، و حارف الصيادلة[١]، و تجشّم شرب الأدوية المرّة، و جانب الأطعمة الطيّبة، فبدنه يزداد نهوكا لقلة طعمه، و سقمه كل يوم يقلّ، و صحته تزيد، و إنما اختار الاحتماء- و إن أنهك بدنه- على أطايب اللذات خوفا أن يرتع فيهلك، و رجاء أن يؤدّيه الاحتماء إلى العافية، فينال اللذات بجسم صحيح، و عافية لازمة، فتطيب حياته بغير سقم، و يصفو عيشه فلا يكدر.
فكذلك المؤمن المريد التقى: احتمى عن كل مهلك من الدنيا فى آخرته، فتبين عليه النحول، و التقشف، و الوحشة، و زوال الأنس بالعباد، و ظهور الأحزان، و زوال الأفراح، فاختار ذلك كله كراهية الرتوع فى لذّاته، فيحلّ به غضب ربه عز و جل، و يجب عليه عذابه، و رجاء أن يرضى اللّه عز و جل بذلك عنه، فينجو من عذابه، و يحل فى جواره، فيصيب اللذات فى الجنان، بغير سقم و لا تنغيص، و لا تبعة فى ذلك يخاف فيه الهلكة، مع البقاء الدائم فيه أبدا، و رضوان ربه الأعلى.
فالزم الحمية، و تذكر سوء العاقبة فى الآخرة، و أمّل طيب عيش الآخرة، و استعن بالذى يحتمى له لطلب مرضاته، فإنه اللّه عز و جل، الذى لم يزل للمريدين عونا، و عليهم متحنّنا، و لو شاء لأغناك فى أول بدايتك عن الحمية، و لكنه أراد أن يعلم منك صدق الطلب لرضائه؛ بالمجاهدة و المكابدة، حتى إذا صدقت فى الطلب، و تجشمت مكابدة نفسك و مجاهدتها؛ أقبل عليك بالمعونة، فسهل عليك ترك ما تهوى، و نعّمك بطاعته؛ لأنه الكريم بغير تكلف، و الجواد الذى لا يعتريه البخل، و إنما أحب من عبده المريد أن يصدق
[١] - حارف الصيادلة: أى عاملهم، و صار معاملا دائما لهم.