الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٩٢ - باب ما يستعان به على ترك لقاء الإخوان الذين يتخوف من لقائهم قلة السلامة في الدين
تقو على نهيه، و لم يمكن القيام عنه، فإن قدرت فاذكر الآخرة؛ لعلك تصرفه عن ذلك فيكون لك أجرك و أجره.
كما يروى عن إبراهيم التّيمى أنه قال: إن الرجل ليأتى القوم و هم يخوضون فى الباطل، فيصرفهم إلى الذكر، فيكون له أجره و أجرهم.
و إن بدأك بالخير قلت فى نفسك: هذا خير، و ما أدرى ما يكون بعده؟
فأنت حذر و إن بدأك بذكر اللّه عز و جل؛ لطول ما جربت من الأصحاب و من نفسك فإذا كنت حذرا كنت متحرّزا، و إذا كنت متحرزا فجرى فى عقب الذكر خوض فيما لا يعنيكما؛ فطنت له بالحذر اللازم لقلبك، فلم تخض معه، و إن لم يجر بينكما شىء كان حذرك زيادة فى خوفك للّه عز و جل، و عملك عادتك لنفسك، فمنعك أن تزل فى وقت آخر يجرى أوله الذكر، ثم يجرى عقيب الذكر- أو فى خلاله- ما لا يعنيك، أو ما هو معصية لربّك عز و جل.
و كذلك فى أهل سوقك: تكلمهم فى معاشك أو غير ذلك، و قلبك حذر نافر منهم، و كذلك إذا زارك أحد منهم أو أتيته لحاجة، أو أتاك لحاجة، أطلت معه الصمت، و تركت معه الكلام، حتى يجرى ما هو للّه عز و جل رضى، فإذا أفضلت معه فى ذلك لم يزايل قلبك الحذر لطول ما جربت من نفسك.
و أما أن تأتيه لتعظه، فإنه لم يبين لك ذلك بعد ما تشكو من ضعفك أنت، كمن يتعلم السباحة. فكيف يخرج الغرقى من يتعلم السباحة؟
فاشتغل بنفسك، إلا أن تبتلى بلقائه فيجب عليك حق تقوم به للّه، فتكون فى سكوتك تخاف- حينئذ- عليه المقت من اللّه عز و جل، إن سكّت عنه،