الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٩١ - باب ما يستعان به على ترك لقاء الإخوان الذين يتخوف من لقائهم قلة السلامة في الدين
الغم، إذ زال عن السلامة إلى العطب.
فبينما هو يسكت عن كلمة من محادثتهم، فتكاد تضيق عليه الأرض برحبها، إذ صار ذلك إذا تكلم بالكلمة التى كان يغتم بالسكوت عنها. و هذا ميراث الورع، و عادة التقى و معونة اللّه عز و جل، و نصره للمريدين، إذا كابدوا له أنفسهم، و جاهدوا له شهواتهم و أهواءهم.
قلت: إنك إذا عزمت على ترك مؤانستهم، لم أعر من لقائهم، لمعاش فى سوق، أو اجتماع فى حلقة علم، أو جماعة فى مسجد جامع، أو غيره، أو جنازة، أو حاجة تعرض لأحدهم إلىّ، أو تعرض لى إليه، أو يأتينى زائرا، أو أطمع فى أن يقبل منى، فيقطع من يصحب، و يعزم على مثل ما عزمت عليه.
قال: إنك إذا عزمت على ترك مؤانسته، و تفردت بنفسك عنه، ثم لقيك فرآك نافرا منه، مشمئزا من حديثه؛ استحيى، و تحرّز أن يؤنسك بما لا تحب، و زال عن قلبك السهو و الغفلة به إذا ألزمت قلبك حذره، فإذا عرف ذلك منك أمسك نفسه عنك، فإذا لقيته بغير هوى و شهوة محادثته، و إنما تلقاه لبعض هذه الأسباب أو لما يشبهها، ثم ألزمت الحذر قلبك منه، لعلمك أن العدو يصطادك به، و إن تكلم بشر أو بفضول قلت لنفسك: ما أعرفنى بمن دسّه علىّ ليزيلنى عن طاعة اللّه عز و جل، فاتخذته عبرة، فإن كان ممن يحتمل العظة نهيته فى رفق، و نبهته لما يقول، فلعلك أيضا تنفعه.
فإن كان ممن لا يحتمل ذلك، أو هو ممن يجادلك إذا نهيته، حتى يخرجك إلى نقص فى دينك؛ كرهت ما قال، و تحرزت إلا أن يقول محرما، فتنهاه برفق، و لا تجادله إذا أراد ذلك منك، إلا أن يكون مريدا لطلب البيان فتبين له إن كنت تحسن ذلك، و إلا فاسكت عنه. فإن أخذ فى الخوض، و لم