الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٩٠ - باب ما يستعان به على ترك لقاء الإخوان الذين يتخوف من لقائهم قلة السلامة في الدين
بلقائهم فى دينه أبغض لقاءهم، إلا لقاء الذين يريدونه فى دينه ورعا و تحرزا، فأولئك الإخوان فى اللّه عز و جل، و الاسم بالأخوة لهم حق و صدق، و الاسم لغيرهم كذب و زور.
قلت: أرأيت إن عزمت على ترك كل من لا أسلم معه فى دينى، فلم تصبر نفسى و جاشت على لقائه؟
قال: إن سخت نفسك بتركه، ثم تحرّزت ممن لا تأمن منه، و توفّيت حتى يأتى عليك بعض النهار و أنت صامت عما كره ربك عز و جل، قد فرح قلبك بالسلامة، ازددت زهدا فى لقائه، و لم يكن شىء أبغض إليك من لقائه و رؤيته، إذا وجدت حلاوة السلامة و رجوت رضا اللّه عز و جل بها عنك، فإذا أحسست بمن تخاف أن يزيلك عنها ثقل عليك لقاؤه، فإن استعملت التحرز إذا انفردت من الأصحاب حتى تظفر بالسلامة، و يجد قلبك حلاوتها؛ أبغضت لقاء من يزيلك عنها؛ لأن المريد الساهى راحته فى الكلام، و غمّه فى السكوت، و ذلك إذا كان الأغلب على قلبه حبّ راحة المحادثة للناس، و لم يكن طلب السلامة أغلب على قلبه، فغمّه حينئذ فى السكوت، و لذته و راحته فى الكلام.
فإذا اهتم بالسلامة، و غلب على قلبه، طلبتها و الاهتمام بها، ثم عمل فيها بعض نهاره حتى يسلم؛ ثقل عليه الحديث مع الأصحاب و الإخوان، إذا عرف أن فى محادثتهم زواله عما قد منّ اللّه عز و جل عليه به من السلامة.
فإن رأى بعضهم، فأفلتت منه كلمة مما يكره اللّه عز و جل؛ ضاقت عليه الأرض برحبها؛ إذ كان قبل أن يلقاهم سليم القلب و البدن، يرجو رضا اللّه عز و جل مما صمت عنه مما يكره اللّه عزّ و جلّ، خوفا منه، ثم تكلم بما يخاف أن يكون قد سخط اللّه عز و جل منه عليه، فتضيق عليه الأرض، و يلزم قلبه