الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٨٦ - باب الرجل يخرج في الحاجة أو يجالس بعض إخوانه ممن يدعي أخوتهم في الله عز و جل و هو يعلم أنه لا يسلم له دينه معهم
و كذلك الكذب و الاستهزاء، قد يزين لكما ذلك قبل أن يجرى بينكما شىء من ذكر اللّه عزّ و جلّ، على قدر ما عرف من ضعفكما.
و قد يريد العدوّ العبد على ما يكره اللّه عزّ و جلّ، فيأبى عليه، و لا تطيب نفسه أن يتكلم مع العوام بالخير دون الشر، فكيف بالشر؟ فإذا عصاه زيّن له لقاء من يرجو أن يطيعه به، فإذا لقيه زيّن أحدهما الكلام حتى يفاتحه الآخر، ثم يزيّن له الكلمة بعد الكلمة، فلعله يكون عامّة نهاره أو بعضه ساكتا قد سلم، أو متكلما فيما ينفعه من الذكر أو طلب معاشه بما يحلّ له، حتى يلقى من يزعم أنه أخوه فى اللّه عزّ و جلّ. فإذا لقيه جرى بينهما من الكلام ما لعلهما لا يفترقان، حتى يلعنا جميعا.
فمن ثم قال عمر، رضى اللّه عنه: «و احذر صديقك إلا الأمين من الأقوام، و لا أمين إلا من خشى اللّه عزّ و جلّ»[١]. إذا غفلت نبّهك، فإذا لقيته ازددت سلامة، فإن كنت فى لغو صرفك إلى ذكر، و إن كنت متكلما بما يكره اللّه عزّ و جلّ نهاك عن ذلك، و نبهك له، فإذا نبهك لما تعلم أنه لا يحلّ لك ندمت عليه و تبت منه، و ما لم تر أنه مما يكره اللّه عزّ و جلّ لما أنت به جاهل عرفته، و استفدت منه علم ما لم تكن تعلم من ذنوبك، فتحذرها فيما يستقبل.
و كذلك قال الشعبى: نصف عقلك مع أخيك.
و صدق رحمه اللّه؛ لأنه إذا نبه عقلك بما كنت عنه غافلا كنت كأنّ عقلك كان معه فردّه عليك، و كأن عقلك كله كان معه فرده عليك فى
[١] - أخرجه ابن المبارك فى الزهد ص ٤٩١( ١٣٩٩)، و ابن أبى شيبة ٨/ ٣٨٤( ٥٥٨٠) و ١٣/ ٢٦٥( ١٦٢٩٧)، و أبو نعيم فى الحلية ١/ ٥٥.