الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٧٩ - باب في العبد يعزم على التوبة ثم يرجع و ما الذي يقويه و يعينه على التقوى و مخالفة الهوى و الشهوة؟
قلت: و الأسباب التى يكون عنها الخطأ و الزلل، مثل أى شىء هو من الأسباب؟.
قال: كالرجل يشكو حبّ النظر إلى ما لا يحل، و هو يجلس على الطريق يتحدث، أو يستريح إلى ذلك، و يكثر لقاء الإخوان، فكلما جلس على الطريق و هو ينوى ألا ينظر فجأه ما يهيج شهوته على النظر، فتغلبه نفسه فينظر، ثم يرجع فيندم و يتوب، ثم يعاود الجلوس، فيصيبه مثل ذلك، و إذا قطع الجلوس و لزم منزله أو مسجده سقط عنه السبب الذى كان يفتنه، و صار فى تلك الخصلة مع ضعفه أقوى من القوى الذى يعرض نفسه للفتنة بالجلوس، لأن الضعيف إذا قطع السبب الذى يؤتى من قبله صار أقوى من القوىّ الذى يتعرض للسبب الذى يفتنه؛ و كذلك الخروج فى الحوائج التى لا تجب عليه، فتركها أقطع عنه لسبب فتنته.
قلت: فإن كانت حاجة فيها بر و طاعة؟
قال: إن كانت واجبة فليخرج لها، و لا يعصى ربّه عزّ و جلّ بشك، لا يدرى، أيكون أم لا يكون؛ لأن تركه للذهاب معصية، و النظر منه لم يكن بعد، و لا يدرى أيكون أم لا يكون، بل إن ذهب، و اللّه عزّ و جلّ يعلم منه أنه لو كان الذهاب لراحة نفسه، أو حاجة له فيها لذة، لما ذهب، إبقاء على دينه، لئلا ينظر إلى ما كره ربّه عزّ و جلّ، و لولا أداء واجب حقّ اللّه عزّ و جلّ ما ذهب، فإذا علم اللّه عزّ و جلّ منه الصدق فى ذلك: من خوفه من النظر كراهة أن يسخط اللّه عزّ و جلّ، فذهب للّه عزّ و جلّ، و لولاه ما ذهب، و توكل على اللّه عزّ و جلّ، فإن اللّه يعصمه إذا علم أنه لا يذهب من أجل راحة نفسه، فإذا ذهب على ذلك، كان اللّه عزّ و جلّ أكرم من أن يخذله.