الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٧٣ - باب الرجل يكون له صاحبان أحدهما غني و الآخر فقير فيكثر زيارة الغني و بره دون الفقير كيف السلامة من ذلك له و من أين فساده؟
باب الرجل يكون له صاحبان أحدهما غني و الآخر فقير فيكثر زيارة الغني و برّه دون الفقير كيف السلامة من ذلك له و من أين فساده؟
قلت: قد يكون لي صاحبان: أحدهما فقير و الآخر غني، فأجد نفسي تسارع إلى برّ الغني و إيثاره بالزيارة و العيادة و غير ذلك.
قال: إن ذلك قد يصح و قد لا يصح في الإرادة للّه عز و جل.
فأما الذي يصح: فإذا كان الغني منهما أطوع للّه عز و جل، و أتقي، أو كان أنفعهما لك في دينك، أو تكون تجد قلبك معه أزيد و أسلم لك في دينك، أو تستفيد منه علما تنتفع به في دينك، فآثرته بالإتيان تريد اللّه عزّ و جلّ بذلك، و لا تعتقد بذلك طلب دنياه، فهو أولى حينئذ أن تؤثره بالبر و الإتيان، إلا أن تعلم من الفقير تجوعا أو عريا فتبتدئ بمواساته حينئذ.
و كذلك أن يكون منك قريب المنزل، فتنشط إلى إتيانه من أجل قرب منزله، و اللّه عز و جل يعلم أن نفسك سخية أن لو كان الفقير يقرب منزله ما آثرته بالإتيان على الغني، إذا كانا مستويين في الطاعة و السلامة و المنفعة و القرب و القرابة، فإيثارك الغني للدنيا لا يشك فيه، إلا أن تكون أنت عالما، و الغني يخاف ضعفه و رجوعه و فترته، و هو أضعف قلبا من الفقير، فتتألفه بالبر، رجاء أن يقوى في الدين، فإن آثرته بالبر لذلك، و أنت تريد اللّه عز و جل بذلك،