الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٦٣ - باب الرجل يحضر القوم يصلون فتحضره نية العمل و إن لم يكن يفعل ذلك في خلوة أو يبكون فلا يجد البكاء
قلت: فالصيحة تكون من العبد أو النّفس العالي عند الذكر يسمعه العبد، أو عن فكرة منه تكون ذلك؟
قال: ذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: تكلف- لا عن خوف هائج- ابتغاء حمد من يسمعه أو يبلّغه غيره عنه، أو جزعا- عند الذكر يسمعه- أن يقال: ما أقساه، و أقل رقة قلبه عند الذكر! أو يفجأه على ذنب و تقصير في دين، كالمزاح أو الضحك، أو يظنّ أنه قد بلغهم عنه ذنب، أو نقص في دينه، فيتنفس أو يصيح تحزّنا، ليندرس[١] ما كان منه، و لئلا ينقصه ذلك عندهم، إما ليشككهم فيما كان منه، إن كان يحتمل التشكيك، أو لئلا يوضع أمره على قلة الخوف للّه عزّ و جل، و قلّة الورع، و قلّة الحزن، و أنه منه لأجل خوف في قلبه و الحزن فإليه يرجع.
و الوجه الثاني: أن يتفكّر أو يتذكّر أو يسمع الذكر من غيره، فيحزن قلبه حزنا لا يغلب على قلبه، فيتكلّف الصياح و التنفّس بالزفرة، و الأنين، استعظاما لما يتفكر فيه، و لما يسمع، إذا رأى قلبه لا يرقّ كما ينبغي، فيصيح و يزفر و يئنّ؛ تحزنا منه واستدعاء للحزن من قلبه، ثم يلحقه التصنّع في وقت ما يبدو ذلك منه أن يستدلّوا بذلك على أن قلبه خائف محزون.
فإن نفاه معا و لم يقبل الخطرة خلص ذلك منه، فإن قبلها بعد ما تقضى لم يحبط ذلك، و ذلك نقص، إذا أحبّ قلبه حمد المخلوقين على طاعة ربّه عزّ و جل.
[١] - يندرس: يذهب أثره.