الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٣٠٢ - باب وصف النية ما هي؟
و معنى آخر: تريد أو تحبّ أن تكون مخلصا و أنت مضيّع للإخلاص، و تحبّ أن تكون صائما و من نيتك الإفطار، و تحبّ أن تكون مصليا و أنت كسلان عنها أو مؤثر عليها الشغل بالدنيا، و تحبّ أن تدع المعاصي من خوف اللّه عزّ و جلّ و النفس لا تسخو بالتوبة، فتلك إرادة محبّة منك للشىء.
و إرادة ثالثة قد جوزتها العرب في لغتها، و أنزل بها الكتاب- إرادة كاد- قال اللّه جلّ ذكره: جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ[١].
و قال الشاعر:
|
لا تعجبي منّي و من سوادي |
و من قميص همّ بانقداد |
|
و يقول آخر:
|
يريد الرمح صدر بني نزار |
و يرغب عن دماء بني عقيل |
|
فوصف اللّه عزّ و جلّ الجدار بالإرادة و وصف الشاعر القميص بالهمّ، و ذلك أنه جدار مائل كاد أن ينقضّ، و القميص خلق كاد أن يتخرّق لبلائه، و تقول:
أردت و اللّه أن أهلك نفسي، أي كدت أهلكها، لا أنه ينوي هلاك نفسه و لا يحب هلاكها.
قلت: فهل تحضر النية و يمكن العبد في كل أمر و في كل وقت؟
قال: أما النيّة فيما ليس فيه ثواب فلا تحضر، و لا نيّة في ذلك، و من أراد اللّه عز و جل في ذلك فمغرور غالط كالرجل بني البنيان الفاخر يريد بذلك، زعم، اللّه، و يأكل الأطعمة الطيبة و يتكلفها لغير ضعف وجده به، و لا قوة
[١] - الكهف: ٧٧.