الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٧٨ - باب ما يورث الرياء من الأخلاق المذمومة و شرحها
قال: حبّ الغلبة قد تعترى من الرياء و غيره. فأما ما يعترى من الرياء فكراهة أن يغلبه في المناظرة، و يرتفع عليه من غلبه، و يتّضح عند من يعلم ذلك منه، و يحبّ أن يغلب فيعظم عليه، و يثنى عليه، و يبرّ و يوصل بالأثرة عليه، و كم من عبد قد صارم رجلا في علم فناظره حتى غلبه، و قد كان المغلوب يبرّ و يعظّم، فجفاه من كان يبرّه حين غلبه، و مال بالبرّ و التعظيم إلى الغالب، فيحب أن يخطئ غيره و يصيب هو، و إن أصاب اغتم لذلك!
و تلك نهمة إبليس في العباد أن يخطئوا في دين اللّه عز و جلّ و لا يصيبوا، و يغتم إن أصابوا، و لا يتفهم ما يقول مناظره، إنما همّته الردّ و الشغب، و بذلك وصف اللّه عز و جلّ الكفار، فقال تعالى: وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ[١].
قلت: و كيف يترك التعلم لما يحتاج إليه و لا يسأل عنه؟
قال: قد يعترى ذلك من الرياء و غيره. فأما ما يعترى منه من قبل الرياء فكراهة أن يسأل عن أمر فيقال: هذا لا يحسن مثل هذا، فيدع الحقّ أن يطلبه و الحرام أن يسأل عنه، و هو يعلم أنه يحتاج إليه، ثم توهمه نفسه أن ذلك منه حياء، و إنما هو منه رياء، و لو كان حياء لكان من اللّه عزّ و جلّ أحق أن يستحي- زعم- من الناس أن يطلب الحقّ فيعلموا بذلك فيفطنوا بجهله، و لا يستحي من اللّه عز و جل و قد علم أن اللّه عزّ و جلّ يعلم أنه يدع الحق أن يتعلّمه و يطلبه.
و هذه الأخلاق كلها تتشعب من العجب و الكبر و غيره، و إنما أخبرنا بما يهيج عن الرياء، و لقد جاء الأثر بذلك؛ بالنهي و الذمّ من قبل الرياء، فروى
[١] - فصلت: ٢٦.