الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٥٦ - باب الغلط في الحذر من العدو إبليس
باب الغلط في الحذر من العدو إبليس
قلت: فإذا خطرت خطرة؛ تحذيرا للرياء، هل يكون في التحذير غلط؟
قال: إن أنفع التحذير: ما لم يورث أمنا.
قلت: فكيف يورث التحذير أمنا؟
قال: يدعوك إلى الحذر من الرياء بترك العمل، و لما لم تطعه في ترك العمل دعاك إلى الرياء ليحبط عملك، فلما لم تطعه و لم تجبه إلى ذلك حذرك الرياء بترك العمل، فقال: إنك مراء فدع العمل، فردك إلى ما أرادك من ترك العمل أولا، فلما لم تجبه إلى تحذيره ورّثك أمنه فأمنته، إذ لم تفطن أنه إنما أراد أن يحرمك ثواب العمل إذ عرض لك بتحذير الضرر، و أنك تريد بذلك الإخلاص، فلم تخلص للّه عزّ و جلّ شيئا حين تركت العمل، لأن الإخلاص:
أن تعمل و تحذر الرياء و تنفيه عن عملك، فيخلص لك عند ربّك عزّ و جلّ، و ليس الإخلاص أن تترك العمل، فلا يخلص للّه عزّ و جلّ عملك.
فعلى المريد الإخلاص في عمله، فإن ترك العمل إرادة الإخلاص فلم يخلص للّه عزّ و جلّ عمله، و لكن تركه.
أرأيت لو أن عبدا دفع إليه مولاه حنطة، فقال: طيبها و اجعلها خالصة من الزّوان[١] و الشعير، أو فضّة فقال له: ألقها في الخلاص، حتى تكون فضة خالصة من الخبث و الغشّ، فألقى الحنطة و الفضة، فقال: أخاف ألا تخلص،
[١] - الزّوان و الزؤان: حبّ يخالط البر.