الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٥
الوساوس و الخطرات من الصوفية، حيث كان كلامهم فى ذلك لا يستند إلى دليل شرعى، بل إلي مجرد ذوق و رأى، كما كان ينكر الكلام فى مسائل الحرام و الحلال بمجرد الرأى من غير دليل شرعى»[١].
على ضوء ذلك كله يمكن أن نفهم موقف المحدثين- و بخاصة أحمد بن حنبل- من الحارث المحاسبى، رحمهم الله تعالى، إذ رأوا فى مسلكه العلمى و التعبدى مخالفة لصنيع السلف الصالح. فأبو زرعة الرازى لما سئل عن الحارث المحاسبى و كتبه، قال للسائل: «إياك و هذه الكتب، هذه كتب بدع و ضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنى عن هذه الكتب. قيل له: فى هذه الكتب عبرة. قال: من لم يكن له فى كتاب الله عبرة فليس له فى هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس و سفيان الثورى و الأوزاعى و الأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب فى الخطرات و الوساوس و هذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم، فأتونا مرة بالحارث المحاسبى، و مرة بعبد الرحيم الديبلى، و مرة بحاتم الأصم، و مرة بشقيق البلخى. ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع»[٢].
و قد علق الذهبي على ذلك بقوله: «و أين مثل الحارث؟ فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين كالقوت لأبى طالب، و أين مثل القوت؟ كيف لو رأى بهجة الأسرار لابن جهضم، و حقائق التفسير للسلمى؟ لطار لبّه ..»[٣].
فأما الإمام أحمد رحمه الله، فمع تقديره للحارث، و تقدير الحارث له[٤] فإن الإمام أحمد رحمه الله كان لا يقبل مذهب الحارث و طريقته.
[١] - جامع العلوم و الحكم، الحديث رقم( ٢٧) ص ٣١٠.
[٢] - أبو زرعة الرازى ٢/ ٥٦١، ٥٦٢، و تاريخ بغداد ٨/ ٢١٥، و ميزان الاعتدال ١/ ٤٣١.
[٣] - ميزان الاعتدال ١/ ٤٣١.
[٤] - روى ابن الجوزى فى مناقب الإمام أحمد ص ١٢١ بسنده عن الفتح بن شخرف قال: ذكر أبو عبد الله أحمد بن حنبل عند الحارث بن أسد قال الفتح: فقلت للحارث: سمعت عبد الرزاق يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس فى زمانه، و الشعبى فى زمانه، و الثورى فى زمانه. قال الفتح: قلت أنا للحارث: و أحمد بن حنبل فى زمانه. فقال لى الحارث: أحمد بن حنبل نزل به ما لم ينزل بسفيان الثورى و الأوزاعى.