الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٣٥ - باب ما ينفي به الرياء
العارض ليبعثه على ألا يقبله، فتركها حين احتاج إليها، و في الموضع الذي أعدها له، لأن تلك الكراهة من عزم العبد على الإخلاص، و ترك الرياء قبل العمل، على أن يخلص، و لا يرائى، إذا عمل عملا من طاعة ربّه عز و جل، فقدم الكراهة للرياء قبل العمل ليستعملها عند العمل، فيضيّعها بنسيانه للقيام بحق ربّه عز و جل في باطنه، فلما فقد المعرفة نسى الكراهة الأولى.
و قد يذكر، فيعرف أن الذي عرض عارض و داع إلى ما يحبط عمله، و أنه الرياء الذي نهى عنه فيغلبه هواه و شهوته، فلا يردّ ذلك، و لا يكرهه؛ لغلبة الهوى و قلة هيجان الخوف، فإما أن يتشاغل عنه بعد المعرفة، و إما أن يسوّف التوبة من ذلك و يقبل الرياء و يعمل عليه، كالرجل يتكلم بالكلام و ما له فيه معنى غير المخلوقين، و يفطن لذلك، فيمضي في كلامه و لا ينفيه عن قلبه، و لا يسكت عن كلامه، و كذلك يذهب إلى الموضع ما له فيه معنى غير المخلوقين، يريد حمدهم أو منفعتهم بطاعة ربّه كالذهاب إلى العلم أو مجلس من مجالس الذكر، فيعرف ذلك و لا ينهي نفسه، و كذلك في الصلاة: يخطر له الرياء، فيعرفه فيعمل عليه و كذلك إذا عرض له الذهاب و الكلام و العمل قبل أن يدخل فيه، فخطر الرياء، فعرفه بقلبه و دخل في العمل على ذلك، و لم ينه نفسه عن ذلك.
فالذي لم يعرف حين عرض له فسخ كراهته الأولى حين ركن إلى القبول و الاعتقاد للرياء، و الذي عرف ثم لم يكره كانت معرفته عليه حجّة؛ إذ ذكره اللّه عز و جل نبّهه و وعظه، و عرّفه ما عرض له من الرياء الذي يحبط عمله، فركن إلى داعي الرياء و قبله بعد علم و معرفة؛ لغلبة هواه و الشهوة، فلم تنفعه المعرفة و الكراهة حين افترقا عند عارض الداعي إلى الرياء.