الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٣٤ - باب ما ينفي به الرياء
عاقل، فلم يعرف أن ذلك هو عارض الرياء الذي يحبط العمل قبوله، فركن إليه و استحلاه و لم يذكر، فيستعمل الكراهة المتقدمة في جملة عقد قلبه و ضميره؛ لأن الخطرة تأتي بالدعاء إلى الرياء، بالترغيب في الحمد و النيل من الدنيا، و الترهيب و التحذير من الذم و الملامة، فيملأ حلاوة حب الحمد و رهبة الذم قلبه، و لا يكون في القلب موضع فراغ يذكر به أن ذلك هو الذي يحبط عمله.
كالعبد ينوي أن يحلم إن غضب، و لا يكافئ بما يكره اللّه عز و جل، فإذا اغتاظ؛ ملأ الغيظ قلبه و نسى عزمه، و لم يبق من قلبه موضع فراغ يذكر به ما قدّم من العزم على الحلم، فكما يملأ الغيظ قلبه فكذلك حلاوة الشهوة تملأ قلبه فينسى ذكر ربّه جل و عز، كما روى عن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنهما- قال: «بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم تحت الشجرة على ألا نفر، و لم نبايعه على الموت، فأنسيناها يوم حنين، حتى نودي بأصحاب الشجرة فرجعنا»[١].
و إنما الغيظ مثل ضربته لك، قياسا على امتلاء القلب بحلاوة الشهوة و حمد المخلوقين، فينسى العبد عزمه و الكراهة المتقدمة للرياء في جملة عقد قلبه، فيركن و لا ينفي ذلك، و عامة الأعمال الحرام كذلك، فكذلك الذي عرض له و ليس معه ذكر الرياء، فلما فقد المعرفة لما عرض، زال عن الكراهة الأولى و لم يستعملها، لأنه إنما قدمها في جملة عقد ضميره يستعملها عند
[١] - الجزء الأول من الحديث إلى قوله:« و لم نبايعه على الموت» أخرجه مسلم في الإمارة ٣/ ١٤٨٣( ١٨٥٦)، و الترمذي في السير ٥/ ٢١٦، ٢١٧( ١٦٣٩، ١٦٤٢)، و النسائي في البيعة ٧/ ١٤٠، ١٤١، و الدارمي في السير ٢/ ٢٩٠( ٢٤٥٤) ط الريان، و أحمد ٣/ ٢٩٢، ٣٥٥، ٣٨١، ٣٩٦، و أبو يعلى ٣/ ٣٦٩( ١٨٣٨) و ٣/ ٤٢٠( ١٩٠٨) و ٤/ ١٩٧( ٢٣٠١)، و البيهقي في دلائل النبوة ٤/ ١٣٥- ١٣٧ و لم أعثر على هذا الجزء الأخير المذكور في يوم حنين.