الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٢٥ - باب ما يكسر به دواعي الرياء و الحمد و الطمع
و كيف يعتقدهنّ عاقل و هنّ يضررن به الضرر الأكبر العظيم، لغير منفعة و لا دفع مضرّة؟ ما يكون هذا بعد هذا البيان إلا من الحمقى المجانين، و ربّما اتقى بعض الحمقى مثل هذا في دنياهم من الذي يتلف ماله أو يقطع بعض جوارحه، أو يقتل ولده بغير اجترار منفعة و لا دفع مضرّة.
و قد روى عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم ما يبيّن لك ذلك مع ما أنزل اللّه عز و جل في كتابه، أن رجلا، و هو شاعر بني تميم، قال: إنّ حمدي زين و إن ذمّي شين[١]، قال: «كذبت، ذلك اللّه عز و جل»[٢]. فإذا كان لا يزين حمد غير اللّه عز و جل، و لا يشين ذمّ غيره، و استقرّ ذلك عند العبد العاقل، استوى حامده و ذامّه في طاعة اللّه عز و جل، إلا طبع ينازعه قد قمعه بعقله و غلبه بعمله.
و مع ذلك لو كان ينفعه حمدهم و يضرّه ذمّهم، لكان قد جهل طلب الحمد و الفرار من الذم؛ لأنه لا يعلم الناس أنه يريد حمدهم على طاعة ربّه عز و جل؛ لأن إرادته مغيبة عنهم في قلبه، أحبّ حمدهم أو لم يحبّه، فالأمر في الظاهر واحد و ليس عند اللّه عز و جل بواحد، هو في الظاهر متطهّر، و في الباطن نجس فاجر القلب، قد أضمر في القلب من إرادتهم ما لا يظهر لهم فيحمدوه أو يذمّوه، و لو أبطن الإخلاص بإرادة اللّه عز و جل وحده، لكان الأمر
[١] - الشّين: العيب، و هو عكس الزين.
[٢] - الحديث عن البراء بن عازب، و هو في سبب نزول قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ[ الحجرات: ٤] أخرجه الترمذي في تفسير سورة الحجرات ٩/ ١٥٢، ١٥٣( ٣٣٢٠) و قال: حسن غريب، و النسائي في التفسير ٢/ ٣١٩( ٥٣٥) بإسناد صحيح، و ابن جرير الطبري في التفسير ٢٦/ ٧٧.
و الرجل هو الأقرع بن حابس التميمي، و قد روى هو ذلك عن نفسه، كما أخرجه أحمد ٣/ ٤٨٨ و ٦/ ٣٩٣، ٣٩٤، و الطبري ٢٦/ ٧٧، و الطبراني في الكبير ١/ ٣٠٠( ٨٧٨)، و صحح السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٨٦ إسناده، بينما رجح ابن حجر أن الإسناد مرسل في الإصابة ١/ ٥٨.