الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٢٣ - باب ما يكسر به دواعي الرياء و الحمد و الطمع
كان أخلصه في الدنيا، فجعل مع حسناته فرجحت على السيئات، دخل الجنّة، فتكون سيئاته أرجح من حسناته، و لو أخلص عمله لوضع مع حسناته فدخل الجنة؛ فيدخل النار إذ لا حسنات له خالصة تجعل مع حسناته؛ فلا تسأل عن تقطع نفسه بالحسرات و الندامة، إلا أن يكون أخلصه قبل القيامة إذا رأى موضع منفعة الإخلاص، و موقف ضرر الرياء، و إن كانت حسناته راجحة على حال لما عنده من العمل الخالص سوى ذلك فقد خسر بعض حسناته التي تقرب بها من ربه جلّ و عزّ، و يعلو بها في جنّته مع سؤال اللّه عزّ و جلّ له و توقيفه إياه على الرياء و الحياء منه أنه قدم في الدنيا في عمله عليه غيره في الهيبة و المحمدة و التقرب و التحبّب، للتعرض للتباعد منه و التمقّت إليه، و ما يناله في الدنيا بإظلام قلبه و خبث نفسه، و زوال الرجاء عن قلبه؛ إذ علم بريائه و تشتت همومه في طلب حمدهم لا يحصى لأنه كثير عددهم، لا يحصى من يعامل منهم، و رضاؤهم لا يدرك؛ لأن بعضهم يرضى بما يسخط بعضهم، فإن فعل ما يرضي بعضهم سخط آخرون، و إن فعل ما يسخط بعضهم رضى آخرون، و لأن بعضهم يسىء الظنّ، و يحمده بعضهم على ما يذمّه آخرون، فرضى من يطلب منهم بسخط من يترك منهم، فقلبه مشتت و همومه كثيرة؛ لأنه لا يدرك منهم جميعا ما يطلب.
و أما ما ينال منهم مع تعرضه لهذا البلاء العظيم، و ما يترك به من اللّه عزّ و جلّ في الدنيا و الآخرة، فإنهم لم يزيدوه بحمدهم في أجل و لا رزق، و لا اجترار عافية و لا صرف بلاء، و لا دفع مكروه مما قدّر اللّه عزّ و جلّ[١].
[١] - يقول أبو الدرداء رضي اللّه عنه:« لا تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب اللّه، ثم ترجع إلى نفسك، فتكون لها أشد مقتا».( مصنف ابن أبي شيبة في الزهد ١٣/ ٣٠٦( ١٦٤٣٢)، و حلية الأولياء ١/ ٢١١).