الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢٢٠ - باب وصف خوف المذمة و الطمع لما في أيدي الناس
و أشياء كثيرة من هذا الباب، و كذلك يدع اكتساب الحلال كراهية الذم، و كذلك يدع الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر كراهية ذم من يأمره و ينهاه.
قلت: فالطمع لما في أيدي الناس كيف هو؟
قال: يحب أن يراه من يرجو منه البر فيعطيه على عمله فيصله و يبره، أو يطلع عليه فيفرح باطلاعه ليبره و يصله، فإن اطلع على ذنبه؛ اغتم له ما لا يغتم باطلاع غيره ممن لا يطمع فيما عنده، و إن اطلع على طاعته ارتاح قلبه لاطلاعه ما لا يرتاح لاطلاع غيره ممن لا يطمع فيما عنده، و أشياء كثيرة من ذلك.
و كذلك من يبايعه، فيربحه أو يبايعه فينسئه و يؤجره عليه و يحب حمده إن رآه على خير و ارتاح قلبه، فيحبّ أن يتصحّح عنده بالورع و حفظ المنطق و الوفاء بالموعد، ليثق به و لا يجوزه إلى غيره.
و كذلك الصانع عند من يسلم إليه العمل، و الأجير عند من يستأجره أو يوكلّه بضيعته أو تجارته أو عمله، يحبّ الصحّة عنده، و يرائيه بالورع.
قلت: قد فهمت هذين، فأما حبّ المحمدة فهو أبين في النفس و أجلى من أن أحتاج إلى تفسيره لي، فقد تبيّن لي أن هذه الثلاث خلال هي التي تهيج الرياء و تبعث على قبول خطرات العدو، فما الذي كانت هذه الثلاث خلال منه؟ فإنه لا ينبغي إلا أن يكون لها أصل عنه تشعبت و تفرقت.
قال: أما أصل هذه الثلاث خلال الذي منه تشعبت و تفرقت هكذا فهو:
معرفة النفس بلذة ما ينال من الحمد و البرّ و ما يدخل عليها من ضرر الذم و غمّه، فلما عظمت المعرفة بذلك بعثت العبد على اعتقاد هذه الخلال الثلاث؛ لأنه لما عرف أنه إن حمده الناس عظّموا قدره، فيبدأ إذا لقى بالسلام و البشر