الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ٢١
فاتهمهم بالبعد عن العباد و الانشغال بذوات أنفسهم[١].
و أثبت بسيرته أن صحبته الناس لا تنافى الانشغال بالله، فعندما قال له الجنيد: «تخوجنى من عزلتى و أمنى على نفسى إلى الطرقات و الآفات و رؤية الشهوات و عزلتى أنسى».
قال: «كم تقول عزلتى أنسى. لو أن نصف الخلق تقربوا منى ما وجدت بهم أنسا، و لو أن نصفهم الآخر نأى عنى ما استوحشت لبعدهم»[٢].
و نعى على أولئك الصوفية الذين قعدوا عن الكسب بحجة عدم وجود الحلال، فوصفهم بالجهل و الغفلة فى كتابه «المكاسب» و جعل العطف على أهل الضعف الفرض الثانى فى الإسلام بعد معرفة الله فقال: «أفضل العبادة العلم بالله عز و جل و التعظيم له ... فإذا انتظمت هذه الخصال، فإن أفضل الأعمال العطف على أهل الضعف، و قد سئل النبى صلّى اللّه عليه و سلم أى الأعمال أفضل؟
فقال: «أن تغيث ملهوفا أو تنصر أخا لك». و قال: «الخلق عيال الله فأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله» فأفضل الأعمال إدخال المرافق فى الدين، و العطف على المساكين و هى صفة النبيين، و صالح المؤمنين ... فقد كان أفضل عبادة صدر هذه الأمة الجهاد فى سبيل الله، ثم كان أفضل الأشياء بعد هذا إرفاق بعضهم بعضا، إما بفرض أو بقرض، و الإيثار على أنفسهم و قد حلت بهم الخصاصة، و أفضل الخلق من الناس رجل قصر نفسه على العلم، و آخر بذل نفسه لمؤونة الناس ... فعلى العالم إيثاره أصحابه على نفسه، و ليس يجمل به أن يكتسى و هم يعرون، و يشبع و هم يجوعون، و عليه أن يتعاهد من
[١] - الرسالة ٢/ ٤٩٥.
[٢] - حلية الأولياء ١٠/ ٧٤٠، و تاريخ بغداد ٨/ ٢١٣.