الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٩
إن الزهد ليس زهدا بالمال و المتاع، إنه زهد بكل مظاهر الدنيا و ما فيها من فضول، فصمت الفكرة زهد، و كسر الأمل زهد، و مكابرة الرغبة زهد.
و الزاهد عند الحارث: هو من برد على قلبه وقع الأشياء «فإذا زهد فى فضول الكلام و الفعل و أوى إلى ضروب من الصمت و الفكرة، كان من ذلك تدبر فى الإنابة إليه، و ضرب فى إنعامه، فإن الفكرة اللازمة للخلق هو الفكر فيما هم عليها من طاعة فيقيمون عليها أم على معصية فينتقلون عنها، فهذه الفكرة اللازمة للخلق. ثم فكرة الموازنة بين الأعمال فيوازن بين الشيئين فينظر إلى أوزنهما ليأخذ به»[١].
٤- المكابدة:
و تعنى شيئا من القسوة على النفس، قد بدا ذلك بحدة منذ خلافه مع والده و تورعه عن أخذ شىء من ماله، ثم استمرت نزعة التفتيش و التدقيق هذه حتى تحولت كتب المحاسبى فى نظر خصومه إلى كتب وساوس و خطرات، و فى هذا الاتهام شىء من الصحة، و تبدو تلك القسوة فى مواطن كثيرة من كتبه كلها مختلطة بمحاسبة نفسه.
و يقوم المنهج الملامتى على أساسين رئيسين: الملامة، و الفتوة و كلا الركنين وجد عند المحاسبى.
فمن تعاريفه للفتوة: أن تنصف و لا تنتصف[٢]، كما أيد لبس الصوف و خشن الثياب للمتصوفة دونما إنكار عليهم لكونه شهرة كما ذكر فى باب
[١] - المسائل فى الزهد ص ٤٣- ٤٥.
[٢] - الرسالة ٢/ ٤٧٣.