الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٧٢ - ما تقطع به التسويف للتوبة
الأجل الذي أجل هو لتوبته، فيموت بحسرته لم يبلغ أمله، و لم يتب من ذنبه، فلا إلى اللّه عز و جل تاب، و لا بلغ من لذته ما أراد، فمات بغصّة الدنيا و الآخرة.
و الخلة الثانية: خوف أن يضرب اللّه عز و جل قلبه بعقوبة مانعة له من التوبة، من القسوة و الرين أو الطبع أو المرض أو الإقفال، و يكون أجله مع ذلك مؤخرا، فيطول عمره بالسكرة و الحيرة، فيكون إنما يملى له ليزداد إثما، فإذا خاف ذلك بادر بالتوبة خوفا أن يبادر بالموت، فيموت مصرّا على ما كره اللّه عز و جل، و يبادر بالتوبة خوفا أن تحل عقوبة اللّه عز و جل بقلبه، فيبقى في الدنيا حيران يزداد إثما.
فإذا لم يأمن من معالجة بغتة الموت، أو معالجة العقوبة بالقسوة، خشى أن يؤخرها ساعة فتقع بإحدى هاتين الخلتين، فالخوف لهما قاطع للتسويف؛ لأنه إذا قوى الخوف من المعاجلة ضعف التسويف، و إنما يقوى التسويف إذا ضعف الخوف، و ضعف التسويف إذا قوى الخوف، و التسويف قاطع عن العمل.
ألم تسمع قول شداد بن أوس رضي اللّه عنه: أنذركم سوف.
و قيل لرجل من عبد القيس عند الموت: أوصنا، فقال: أنذركم سوف.
و روى ابن المبارك: حدّثنا أن عامة دعاء أهل النار: يا أفّ للتسويف.
و مع ذلك فإن المسوف للتوبة لن يعرى من ثلاث خلال: أن يقطعه الموت عن الأجل الذي أجّله للتوبة، أو يبلغ إلى الأجل الذي أجّله للتوبة، فيبقى مقيما على معصية ربّه جل و عز، فقد جمع غدرا و خلفا و كذبا لربّه فيما وعده