الرعاية لحقوق الله - المحاسبي، حارث بن أسد - الصفحة ١٠٢ - باب وصف منازل المصرين و بم يقوي العزم على التوبة و ترك الإصرار
داؤه لم ينجع الدواء فيه إلّا بطيئا، و كذلك من طال مرض قلبه و أعضل داؤه لم ينجع التخويف فيه سريعا، فللعدو و للنفس تثبيط منهما بالدعاء عند طلب الخوف، فإذا لم ينجع التخويف فيه سريعا، دعته نفسه وعدوه إلى الملال و السآمة و الانصراف عن الفكر، و أنه ليس بمقامك، و لا يهيّج الخوف من مثلك، إنما تعنّي نفسك، فيترك الفكر و الطلب، و يعتقد المنى و التسويف إلا أن يكون لبيبا فطنا، فإن كان لبيبا فطنا رجع إليهما بالزجر لهما عن دعائهما و قال لهما: إن عظيم ما يطالب من النجاة، و عظيم ما قد حلّ به من البلاء المسلم له إلى عذاب اللّه عزّ و جلّ، إلا أن يعفو الكريم- يزيلان السآمة و الملال في طلب الخوف، و يبعثان على الدوام بالفكر بالتخويف، و إنما هذا مقام مثلي، لأنه إنما خوّف العاصين من عباده ليخافوه، و تهدّد بالتخويف من عظم ذنبه و طالت غفلته، ليتيقظ من رقدته و يفيق من سكرته؛ و لكن دائي قد أعضل، و سقم قلبي قد طال، فالدوام بالفكر بالتخويف أولى بي إذا أعضل دائي و طالت غفلتي، فإن أدمن على ذلك هاج الخوف بإذن ربّي.
و لذلك أمثال من الدنيا، كالداء إذا أعضل لم يبرأ صاحبه إلّا بدوام التداوي و كالثوب إذا كثر و سخه لم ينق إلّا بإدامة غسله؛ فإذا أدمن المصرّ الفكر بالتخويف سخت نفسه بالتوبة.
و كذلك التائب من بعض ذنوبه المقيم على بعضها قد يكون بعض ما هو مقيم عليه قد غلب على قلبه حبّه، و طالت به غفلته، و دامت له عادته؛ و مطالبة الخوف في عاقبة ذنبه ذلك عسيرة، و هو دون المصرّ على أكثر ذنوبه، إلا أنه محتاج أيضا إلى الدوام على الفكر، و دفع خدع النفس و العدوّ بمثل ذلك، حتى تسخو نفسه بالتوبة و يندم على جملة ما عمل من الذنوب، و ينوي