مجموع الرسائل الفقهية - صددى، على فاضل - الصفحة ٤٨١ - الفصل الأول حقيقة التوبة لغةً واصطلاحاً
ولكن ينبغي أن لا يخلط بين الحدّ الفقهي للتوبة والحدّ الأخلاقي لها، وهو ما قد يشي به الحدّ الخامس، كما ينبغي أن لا يخلط بين المحدود وبين لازمه أو شرطه أو محقِّقه أو المنزّل منزلته، كما هو الحال في الحدّ السادس؛ إذ لم تثبت للتوبة حقيقة شرعيّة ولا متشرّعيّة وراء معناها اللغوي، وهو الرجوع، فلا يلزم ما هو أزيد منه.
لايقال:- كما حُكي عن بعض الأعاظم [١]- من خروج الندم عن حقيقة التوبة، محتجّاً بأن الندم- وهو تألُّم القلب وحزنه على الذنب- غير مقدور، وأنما المقدور تحصيل أسبابه، أعني الإيمان والعلم بفوات المحبوب، وتحقيقهما في قلبه، وعلى هذا فلا يكون الندم من التوبة؛ إذ التوبة مقدورة للعبد ومأمور بها، فاللازم فيها التندُّم دون الندم.
(نعم لا يقال ذلك) فإنّه يجاب عنه بأنه إذا أمكن تحصيل سبب الندامة- أعني العلم بفوات المحبوب- لزم ترتُّب المسبَّب- أعني الندامة عليه- فما معنى عدم كونه مقدوراً؟!.
وأما ما في بعض الكلمات من" أنه لمّا امتنع الرجوع الحقيقي كان المراد منها الرجوع الادِّعائي الحاصل بالندم" [٢] فلا موجب له؛ إذ أن التوبة في الخطابات الدالّة على مطلوبيّتها إما أن تكون بنحو (تُبْ من ذنبك أو عنه)، ولا امتناع في أن يكون الرجوع آنئذٍ رجوعاً حقيقيّاً كما هو بيِّن، وإما أن تكون بنحو (تُبْ إلى الله)، وفي مثله يكون المراد من الرجوع إليه سبحانه هو الرجوع إلى دينه وسبيله وصراطه، وهذا الرجوع رجوعٌ حقيقي أيضاً، ولا محل للرجوع الادِّعائي الذي يحقِّقه الندم؛ فإن المقصود من الرجوع إليه هو الرجوع إليه بما هو مولى، لا بما هو خالقٌ مالك، والرجوع إليه بما هو مولى هو الرجوع إلى طاعته بعد معصيته.
[١] حكاه عنه ولم يسمِّه في جامع السعادات ٤٠: ٣.
[٢] مستمسك العروة الوثقى ٥: ٤.